أسامة صفار
القاهرة- الأناضول
ينافس فيلم "Argo" للمخرج والمممثل "بن أفليك" والذي تدور أحداثه حول عملية مخابراتية أمريكية لتحرير 6 من الرهائن الأمريكيين في إيران، على سبع من جوائز الأوسكار الأمريكية.
وأنتج الفيلم بتكلفة تجاوزت 44 مليون دولار، ووصلت إيراداته داخل الولايات المتحدة حتى الآن إلي نحو مائة وثلاثين مليون دولار، وتعلن جوائز الأوسكار في 24 فبراير الجاري.
الفيلم الحاصل على جائزة من مسابقة الجولدن جلوب الإنجليزية في ديسمبر الماضي، وأخرى من جمعية كتاب السينما في نيويورك في فبراير الجاري، يضعنا في أجواء الثورة الإيرانية عام 1979 منذ لحظاتها الأولي حيث المظاهرات الغاضبة بكل ما فيها من طاقة تنتقل في شوارع طهران.
ويبدو الخوف على الوجوه الأمريكية في السفارة التي تحوي ما يفوق الخمسين شخصًا وتبدأ محاولات مستمرة لإحراق كل المستندات وتمزيقها لمنع وصول المتظاهرين إليها، ويحاول أحد العاملين في السفارة الخروج لإقناع المتظاهرين أنهم – كسفارة – ليسوا طرفًا فيما يحدث، ولكن الثوار يتمكنون عن طريقه من اقتحام السفارة وحجز جميع العاملين في السفارة باستثناء الأشخاص الستة موضوع الفيلم.
يعتقد الأمريكيون طبقا لما ورد في الفيلم أن قبول علاج شاه إيران المريض بالسرطان في مستشفي أمريكي هو الدافع وراء غضب الثوار لكن القصة هناك في مبني المخابرات المركزية حيث يعلم الجميع أن تنصيب الشاه تم بأيدي أمريكية بعد انقلاب علي مصدق رئيس الوزراء المنتخب المحبوب من شعبه، وطوال سنوات طويلة أطاح الشاه بكل قيمة وحق من حقوق الإنسان الإيراني برعاية أمريكية.
إذن خلف هذا الغضب يكمن الفعل الأمريكي الذي يلمع لثوانٍ في حوارات رجال المخابرات ومن ثم ينتقل الفيلم إلي قضيته الأولى بالرعاية وهي الأمريكيون الستة الذين فروا من السفارة إلي منزل السفير الكندي قبل احتلالها من قبل المتظاهرين.
لا يتذكر الأمريكيون الذين يرشحون أفلام هوليوود للأوسكار الكثير عن سلوك الإدارة الأمريكية خارج الحدود لكنهم يعملون بكل إخلاص لمنح قضاياهم أولوية قصوي سواء في السينما أو في غيرها لذا يرشحون للأوسكار فيلمًا عن الطرف الإيراني الشيعي (العدو في الملف النووي) وآخر عن الطرف السني (Zero Dark City)، وبين الفيلمين تظهر التصورات الأمريكية عن الأعداء وعن الأولويات دون الدخول في تفاصيل أخري.
فالتفاصيل التاريخية – وخاصة المعاصرة منها – ملك لأمريكا وحدها وفي القلب منها هوليوود وفي قلب القلب منها (الأوسكار) وهي الجائزة الكفيلة بتسويق الفيلم ومحتواه إلى العالم كله.
وهكذا تعاد صياغة تفاصيل التاريخ ولا يعني هذا تحريف التفاصيل – وإن حدث أحيانا – لكنه يعني استغلال عناصر الفيلم المختلفة لجلب تعاطف المشاهد تجاه الطرف الأمريكي ولو من خلال الإعجاب بالتقنية المستخدمة أو الحيل الفنية فمازالت "الرسالة هي الوسيلة" طبقا لعالم الاتصال الكندي مارشال ماكلوهان.
"Argo" مأخوذ عن قصة حقيقية نفذتها المخابرات حيث تم إيهام الجميع بما فيهم الإعلام وعالم هوليوود أيضا بالبدء في إنتاج فيلم خيال علمي يتم تصويره في الشرق الأوسط.
واستعانت المخابرات بمنتج وماكيير(فني مكياج)، قاما بالمشاركة في العملية عبر تقديم سيناريو الفيلم بل وعقد جلسات قراءة للسيناريو واختيار الأبطال وإقامة مؤتمر صحفي ودفع أجور لعناصر العمل ومن ثم السفر إلي تركيا لمعاينة أماكن التصوير وأيضا إيران.
وسافر عنصر المخابرات الأمريكية وحده وتسلم من السفير الكندي، الذي اختبأ في بيته الأمريكيون الستة، جوازات سفر خاصة بهم بأسماء وهويات مختلفة فهم جميعا من العاملين بصناعة السينما.
ورغم التحريف الذي نال أحداث القصة الحقيقية فإن ذلك لم يطل المحتوي نفسه إلا ببعض التشويق الذي أضافه "بن أفليك" المعروف بكونه نجمًا لأفلام الحركة وهو ما اتضح في المونتاج المتوازي الذي استخدمه أكثر من مرة ليضع المشاهد دائما في حالة قلق.
قام السفير الكندي بإيواء الأمريكيين في منزله وقدم لهم جوازات سفر أصلية، وليست مزورة، وبالتالي ساهم في نجاح العملية لكن رجال المخابرات المركزية انزعجوا من عدم ذكرهم خاصة أن الفضل في العملية ينسب إلي الخارجية الكندية وحدها لكن العملية كلها تم تسريبها إلي الصحف فحصل الجميع على تقديرهم فيما تم تحرير باقي رهائن السفارة الإيرانية بعد 444 يومًا.
"توني منديز" عميل المخابرات الأمريكية والذي يقوم "بن أفليك" بدوره في الفيلم صرّح للصحف الأمريكية قائلا: "ما قامت به وكالة المخابرات المركزية هو التفكير في ابتكار تصوير فيلم للتغطية على العملية، مستغلة علاقتها الجيدة مع هوليوود "كانت العلاقات بين الوكالة وهوليوود دائماً متينة جداً، إذ كانت تتعلّم منا، ونحن نتعلّم منها، لذلك لا يزالان صديقين حميمين حتى يومنا هذا، وفي ذلك الوقت كانت هوليوود تساعد الوكالة بطرق شتى، بدءًا من مسألة المكياج، مما بدا أمر التعاون بيننا سهلاً للغاية، بالنسبة للعاملين فيها".
حصل "بن أفليك" عام 1998 على جائزة أوسكار مناصفة مع الممثل مات دامون عن فيلم "Good Will Hunting" باعتباره كاتب سيناريو وليس ممثلاً ليكشف عن إمكاناتٍ إبداعية خارج إطار التمثيل.
وبعد مرور أكثر من 15 عامًا، وإنجاز ثلاثة أفلام في مجال الإخراج، هي "Gone Baby Gone"، و"The town"، وأخيراً "Argo"، أصبح أفليك أحد أبرز المخرجين من بين فناني جيله.
يبقي أن شخصيات هوليوود ومنها الماكيير الحاصل علي أوسكار "جون تشامبرز" عن فيلم " كوكب القرود" والتي وردت في الفيلم ليست فيلمية تمامًا ولكنها حقيقية وتنتمي إلي المؤسستين معا "هوليوود والمخابرات المركزية الأمريكية".