ليث الجنيدي
تصوير: صلاح ملكاوي
عمان – الأناضول
حطت رحالها بعد رحلة شاقة، بردها أشد من لهيب شمسها، في أرض "الطرة" الأردنية، تلك القرية التي تقع في أقصى شمال الأردن على الحدود مع سوريا.
الحاجة "أم أمجد" كُتبت شهادة ميلادها، كـامرأة سورية، دفعت بها حرب مسعورة دارت رحاها بين أبناء الوطن الواحد، أن تترك هي وآلاف من أبناء شعبها نساء كانوا أو رجالاً، شيوخاً أو أطفالاً، بقعة ولدوا فيها، ليجدوا أنفسهم في بقعة أخرى خارج الوطن، ليحملوا في وجدانهم حنين المغترب إلى وطنه، بقراه، ومدنه، وحاراته، وأزقته.
"أم أمجد"، هي الأم السورية الموجوعة، أم الزوجة الثكلى التي توفي زوجها قبل ثلاثين عاماً، بعد أن اعتقلته آلة الحرب الإسرائيلية وهو يدافع عن التراب العربي خلال الحرب اللبنانية عام 1982، أم الأخت المفجوعة بفقدانها لأختها التي قتلت على أيدي "شبيحة" النظام السوري، وتركت لها اثنين من أبنائها، لتكون هي "الوالدتين" لخمسة أبناء في آن واحد، أم تلك القريبة التي فقدت بنات عمومتها وأخوالها على اليد ذاتها التي خطفت منها شقيقة طفولتها وشبابها.
هي "جميعهم"، كما تروي لفريق "الأناضول" الذي زار مخيم "الطرة" ووقف على معاناتها ومعاناة آخرين معها.. أمٌ تتناسى في لحظة أمومتها لتودع ولديها "محمد" و"وأمجد" بعد أن ألبستهما علم بلادهما، وتطلب منهما أمام عدسة "الأناضول" أن يعودا إلى الوطن، للقتال إلى جانب أشقائهم في الجيش الحر، غير آبهة للنتيجة المنتظرة، سوى أنها "تخشى أن يقع ولديها في أيدي النظام، ويذوقا طعم العذاب الذي يسقيه النظام لأبناء شعبه".
وفي محاولة للوقوف على الأسباب التي دفعت بها إلى أن تتخلى عن قرة عينها، "أمجد ومحمد" في لحظة واحدة، تقول الأم "الموت حق ولا ضير في موت أبنائي دفاعاً عن سوريا وأعراضها التي تُنتهك يومياً".
والفريق يحاورها، تروي أم أمجد والدموع تغرق مقلتيها، أوقاتها العصيبة التي مرت بها قبل أن تترك البيت والوطن، والتي تركتهما مجبرة، لملاحقة النظام لولديها المحكوم عليهما بالإعدام، بتهمة النشاط الفاعل في الثورة الحمصية، ولعدم وجود أي ملاجئ كافية للنازحين داخل الأراضي السورية ،ناهيك عن أحداث القصف والقتل والتعذيب اليومي داخل القرى والمدن السورية على أيدي قوات الأسد، كلها جميعاً حالت دون بقائها هناك، والنزوح، على أمل بالعودة، لتستنشق هواء سوريا الذي تقول عنه" هواء سوريا أحب إلى قلبي من كل شيء وأتمنى العودة من كل قلبي والموت هناك " .
تستذكر الأم، أوقات كادت أن تفقدها ولديها، خلال القصف الأسدي للحي الذي يعيشون فيه، والذي أسفر عن إصابتها آنذاك، وتقول "في يوم من الأيام قامت عصابات الأسد بالقصف للحي الذي كنا نقطنه بعدد كبير من القذائف ورغم ذلك رفضت الخروج من منزلي ، ولكن سرعان ما سمعت صوت ابني محمد وهو يقول (الله أكبر)، والقصف يشتد فخرجت مسرعة لأجده ملقاً على الأرض وفاقداً للوعي، نتيجة استنشاقه للغازات المنبعثة من القذائف، فحاولت نقله من الشارع ولم أستطع سوى بمساعدة أحد أصدقائه الذي نقله معي ثم عاد للشارع مسرعاً، وما إن خرج حتى أصابته رصاصة غاشمة استقرت في صدره وأردته قتيلا"ً
وتبقى "أم أمجد" واحدة من آلاف السوريات، التي أشعلت الثورة السورية الحماس والشجاعة في قلوبهن رغم ما يتعرضن وتعرضن له من تعذيب جسدي ونفسي خلال الثورة السورية الممتدة منذ أكثر من 20 شهراً.