هاجر الدسوقي
القاهرة - الأناضول
بوجوه سمراء متعبة، وصوت بحّ من كثرة المناداة بالعودة لمناطقهم التاريخية قبل بناء "السد العالي" في عهد الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، يؤكد النوبيون مجددًا على تمسكهم بحقوقهم بعيدًا عن دعاوى الانفصال عن مصر.
ويهدد أبناء النوبة - الذين كانت تمتد ديارهم من جنوب مصر إلى شمال السودان - بـ"تصعيد سلمي" عبر احتجاجات واعتصامات وصولاً إلى العصيان المدني حتى عودتهم إلى أراضيهم.
فيما يبقى "تدويل" قضيتهم "ورقة أخيرة" في أيديهم في سبيل الحصول على حقوقهم، حسب ما يقولون.
وتتلخص مطالب النوبيين الموزعين في عدد من محافظات الجنوب، بحسب قياديين نوبيين اثنين، في "عودة النوبيين إلى قراهم ومناطقهم التاريخية القديمة قبل بناء السد العالي".
وتسبب بناء السد العالي في ستينيات القرن الماضي في عهد الرئيس عبد الناصر في غمر قرى نوبية عديدة بالمياه، ما أسفر عن موجة "الهجرة النوبية".
وقال القيادي النوبي نصر الدين سليمان، لمراسلة وكالة الأناضول للأنباء، إن "هذا الحق (العودة إلى مناطقهم التاريخية) يُظهر النوبيين للوهلة الأولى وكأنهم يسعون إلى الاستحواذ على جميع الأرض، لكنهم في الحقيقة لا يريدون إلا 30% فقط من المساحة المتاحة (..) فيما يمكن استثمار باقي المساحة بالتنسيق مع النوبيين والحكومة".
واستطرد نصر الدين في الحل من وجهة نظر النوبيين قائلاً: "يجب إصدار قانون أو قرار بعودتنا، ويكون القرار ملزمًا وثابتًا ولا يتغير بتغير الحكومة".
وتابع "بعدها تنشأ هيئة (..) مثلما حدث في بورسعيد المدخل الشمالي لقناة السويس، تضم الكفاءات من أهل النوبة إلى جانب اختصاصات من جهات أخرى ممن يمكن أن يشاركوا في عملية تعمير النوبة".
وأصدر الرئيس محمد مرسي في أواخر فبراير/ شباط الماضي قرارًا بإعادة تحويل مدينة بورسعيد إلى منطقة حرة، إثر مواجهات دموية بالمدينة الواقعة شمال شرق القاهرة.
لكن النوبيين لا يعولون كثيرًا على النظام الحالي، كما قال عبد الصبور حسب الله، عضو لجنة متابعة الملف النوبي، لمراسلة الأناضول.
وأضاف "لا توجد حجج لدى مؤسسة الرئاسة في معرفتها بمشكلة النوبيين"، مشيرًا إلى أن الرئيس مرسي التقى الشهر الماضي وفدًا منهم، بالإضافة إلى أن هناك كوادر نوبية في الحزب الحاكم (الحرية والعدالة) اطلعت على مشكلتهم".
ويتهم عبد الصبور القيادي بلجنة متابعة الملف النوبي، وهي لجنة أهلية تأسست في العام 2005 لمتابعة الملف النوبي مع السلطات المصرية، النظام الحالي "باللعب على الوقت".
وأوضح "عندما يكون هناك انتخابات تشريعية يتوجه (النظام) لأبناء النوبة دون جدية في طرح حلول لمشاكلهم".
وفي مطلع مارس/ آذار، استقبل الرئيس مرسى وفدًا من رموز أهالي النوبة.
وتقدم الوفد بعدد من المطالب، من بينها إصدار قانونين، الأول حول التوطين، والثاني بشأن تحقيق التنمية الشاملة في النوبة.
ووعد الرئيس مرسى الذي اعتبر النوبة جزءًا أصيلاً من النسيج الوطني لمصر بالعمل على تلبية المطالب وإحالة المشروعين المقترحين إلى البرلمان لمناقشتهما.
ويقول الناشط النوبي نصر الدين سليمان إن "إصدار قوانين خطوة غير كافية".
وتابع "كان من المفترض ان يتم عرض قضيتنا على مجلس الوزراء وتتخذ قرارات بشأن تشكيل هيئة وإنشاء وزارة للتعمير، وتأخذ قضيتنا شكلا تنفيذيا وليس تشريعيا".
وفي سبيل تحقيق مطالبهم يهدد النوبيون بإجراءات تصعيدية.
ويقول حسب الله: "نحن نسعى جاهدين ألا يتم افتتاح ميناء قسطل البري"، على الحدود المصرية السودانية.
ومن المرتقب افتتاح هذا الميناء المقام على مساحة 60 ألف متر مربع، بتكلفة حوالي 47 مليون جنيه (ما يقرب من 7 ملايين دولار) خلال أبريل/ نيسان الجاري.
ويساهم هذا الميناء بشكل مباشر في إحداث نقلة نوعية مهمة في حركة التبادل التجاري والاستثمار بين مصر والسودان.
وقال حاتم عبد اللطيف، وزير النقل، اليوم إنه تم الانتهاء من ميناء قسطل البري.
لكن القيادي النوبي جدد التأكيد على عدم السماح بأي خطة تنموية، قائلاً: "نحن لن نسمح بأي خطة تنمية في هذه المنطقة إلا بعد إصدار قرار من القيادة المصرية بعودة الأراضي وإنشاء وزارة لتعمير منطقة النوبة".
وأردف: "لن نسمح للنظام الحاكم بتمرير هذا المشروع بدون قرارات تحفظ لنا حقوقنا.. لن نسمح بهذه الخطة العبثية أن تقضي علينا مثلما قضت علينا خطط 1954".
وقال: "سوف نمنع افتتاح هذا الطريق، مستخدمين كافة الطرق السلمية من الاحتجاجات والاعتصامات، وربما ندخل في عصيان مدني للنوبة".
ويطالب النوبيون بقبة المواطنيين المصريين بالوقوف إلى جوارهم، واصفين الحديث عن الانفصال بأنه "نكتة سخيفة".
ويقول القيادي النوبي نصر الدين سليمان إن "الانفصال عن مصر نكتة سخيفة، (..) نحن لا ندعو إلى الانفصال على الإطلاق، وإذا كان هناك بعض الأفراد يروِّجون للانفصال فهم مدفوعون من جهات أجنبية بغرض تفتيت الدول العربية ومصر بصفة خاصة".
وتابع "وقد يكون هؤلاء (الداعون للانفصال) بعض الأفراد الشاذين" الذين ذهبوا إلى أقصى درجات التطرف نتيجة الضغط وعدم الاستجابة إلى مطالبهم.
وينتشر النوبيون في كافة أنحاء مصر، من الإسكندرية (شمالاً) إلى أسوان (جنوبًا) بشكل مكثف، غير أنه لا توجد إحصاءات دقيقة بنسبتهم من عدد سكان مصر الذي يقدر إجمالاً بـ91 مليون نسمة.
ويقول سليمان ردًا على من يقول إن النوبيين سوف يحصلون على 30% من الأراضي المصرية ثم يقومون بالانفصال قائلاً "نحن مصريون 100% من الدرجة الأولى".
وتابع أن هذا السيناريو "غير وارد لأن نسبة 30% من الأراضي ستكون موزعة من أسوان إلى الحدود مع السودان وستتضمن تلك المساحة أماكن شاغرة يتم استثمارها".
وبخصوص تدويل النوبيين لمشكلتهم وعرضها على الأمم المتحدة، قال عبد الصبور حسب الله، عضو لجنة متابعة الملف النوبي: إن "اللجوء للقوانين الدولية ستكون الورقة الأخيرة لنا".
وتابع إن "الحكومات بمصر وقَّعت على اتفاقيات دولية، لذا يجب على الحكومة المصرية أن تقر وتعترف بحقوقنا من خلال ميثاق الأمم المتحدة".
ولا يرى حسب الله تناقضًا في رفض النوبيين أية مخططات أجنبية وبين اللجوء لجهات دولية.
وقال: عندما نقول إننا سنتعامل بالقانون الدولي فإننا لا نطلب من دول أن تتدخل في الشأن المصري، ولكن مطالبة لمصر بالالتزام بالقوانين والاتفاقيات التي وقعت عليها.
وأضاف "نحن نعوِّل على القوانين الدولية وليس على حكومات تنظر لمصر نظرة استعمارية".
وأخيرًا، قال رئيس لجنة المتابعة النوبية: "نحن في مصر، والشعب المصري كافة يعلم حجم المشكلة النوبية، ويعرف أننا أكثر الناس رغبة في التمسك بوحدة الأراضي المصرية".