الإسكندرية (مصر) – الأناضول
أمنية كريم
في إحدي حارات منطقة "بحري" الشعبية المزدحمة، التي تمثل روح مدينة الإسكندرية القديمة، شمال مصر، عاد "محمود عادل" للقاء أصدقائه في "دكان" والده المختص بأعمال نصب سرادقات الاحتفالات المختلفة، بعد 11 يومًا قضاها محتجزًا على يد الشرطة.
هناك يرتاح كثيرًا هذا الفتى المريض لملامح شارعه البسيط والقريب من شاطئ البحر المفتوح بعيدًا عن ضيق الزنزانة وأحاديثها السرية المغلقة.
وللوهلة الأولى لا تتوقع أن يكون هذا هو الطفل الذي أثار احتجاجات الحقوقيين في مصر على حبسه رغم مرضه بالسرطان وسنه الصغيرة، على خلفية أحداث عنف شهدتها الإسكندرية مؤخرًا إلى أن تم إخلاء سبيله.
فعلى أرض الواقع، كان يبدو محمود عادل بعيدًا إلى حد ما عن كل هذا.. حتى ملامحه أقرب إلى الرجولة ربما بحكم تجاربه في الحياة.. كان لا يتفاعل مع الإعلاميين أو الحقوقيين.. يتجنب الأضواء ولا تشغله السياسة ولا يعي خطورة احتجازه، ولا يحمل وزارة الداخلية أو الحكومة أي مسؤلية.. نسجت إجاباته المقتضبة والمتقطعة حكاية واحد من أشهر معتقلي مصر بعد الثورة، وأكثر طفل تحدث عنه المصريون مؤخرًا.
كان أول خيط في حكايته يوم 27 يناير/ كانون الثاني الماضي .. بدا يومًا عاديًا بالنسبة لمحمود عادل "14 عامًا" فقرر أن يخرج مع اثنين من أصدقائه ليتنزه ويشتري بعض الملابس واللعب أيضا بلعبة تشع ضوء الليزر، لم يحسب أن هناك خطرا ما ينتظره، فالبلاد قد اعتادت التظاهرات منذ أكثر من عامين، لكن قدره قاده إلى التفرق عن أحد أصدقائه فقادته قدماه إلى محيط الاشتباكات ليقترب منها رويدا رويدا حتى وقع في شباك الأمن.
يروي لمراسلة "الأناضول: "كنت أقف مع صديقي "عبده" في منطقة سموحة بمحيط مديرية أمن الإسكندرية أبحث عن صديقنا الثالث، فوجدت المظاهرات قد بدأت، فاقتربت فقط لكي أشاهدها.. وشدتني الأحداث وبدأت ألعب بالليزر وأسلط شعاعه على المتواجدين ففوجئت بشخصين يلبسان زيا مدنيا، ينقضان علي وتركا صديقي يجري".
قالوا لي: "تعال معنا وامش باحترام، حينها فهمت أنهما من رجال الشرطة، وشعرت بالخوف فالتزمت بأوامراهما، فقاموا بالجري إلى مديرية الأمن القريبة وأنا معلق بين أيديهم من خلال ياقة القميص وحزام البنطال، وبمجرد اقترابنا هناك وجدت صفا من جنود الأمن المركزي (قوات مكافحة الشغب) أمام مديرية الأمن قاموا بضربي بالعصيان السوداء بقوة على رجلي وفي أنحاء متفرقة من جسدي"، وزادوا من جرعة الضرب حين صاح المخبر الذي كان يمسك بي: "هذا من كان يطلق شعاع الليزر".
يتابع قائلا: "أخذوا مني هناك هاتفي المحمول ولم أحصل عليه بعدها، وظللت هناك في الحجز، حاولت إبلاغ أحد رجال الأمن بأنني مريض وقدمي تؤلمني وأتعالج منه"، لكنه لم يعبأ بي، فقررت أن أسكت عن الحديث حول مرضي لأنه لن يصدقني أحد".
يتابع وهو يهون كافة أحداث اعتقاله: "وجدت نفسي بالحجز مع 13 فتى آخرين كان أكبرهم في السن 19 عاما تقريبا، علمت أنه خرج منهم 6 بعد حجزهم بساعات، وقضيت ليلتي الأولى في الحجز بدون طعام رغم عرضنا في اليوم التالي على النيابة وجددوا حبسي لمدة أسبوع".
"وعلمت بعد ذلك أن صديقي عبده أخبر أهلي بما حدث لي وأن الأمن منعهم من الدخول إلى مديرية الأمن، في الوقت الذي قررت فيه الاستسلام لقدري".
"في النيابة أخبرتهم أنني تعرضت للضرب، وأنكرت التهم الملفقة التي وجهتها النيابة لي من تكسير وإتلاف الممتلكات، فقال لي وكيل النيابة: (إذن لماذا قبضوا عليك؟)، فقلت: لا أدري".
وينظر قليلاً لأصدقائه الذين يشجعونه على الحديث ويتابع: "في اليوم الثاني في الحجز بدأوا بصرف "التعيين" (وجبات الطعام للمحتجزين والمسجونين) وكانت عبارة عن قطع خبز وحلاوة وجبنة".
وعما جرى في الحجز، يقول: "التقيت في الحبس المتهمين في قضايا المخدرات وغيرها، وأفهمني المحبوسون أنني يجب أن أتحمل السجن، فبدأت أستعد نفسيا للبقاء فترة طويلة، ولم أكن أعرف ما الذي يحدث في الخارج، لكن قبل إخلاء سبيلي بأربعة أيام زارتني والدتي للمرة الأولى، وأخبرتني أن قصتي ظهرت في التلفزيون وأني سوف أخرج".
ويتطرق للحديث عن مرضه، فيرفع وجهه لأعلى وينكر شعوره بالضعف أو العجز خلال فترة حجزه، رغم تقريره الطبي الذي أثبت إصابته بورم سرطاني خبيث في عظمة الحوض اليسري، وقال: "لم أكن أشعر بالإعياء والشرطة ذهبت بي إلى المستشفي مرة واحدة خلال فترة الحجز وكان في يدي القيود، فاعترض أحد الأطباء على ذلك فقمت بتغطيتها، فأصر الطبيب على إزالتها تماما فتركوا يدي حرة".
ويشير إلى أنه كان يأخذ جرعات علاج كيميائي، وتوقف عن آخر جرعتين بعد أن سأم منه على حد قوله، وهو الآن في انتظار ميعاد يحدده طبيبه لإجراء عملية جراحية تساعده على الشفاء.
وعن خلاصة تجربته وتعامل الشرطة معه يرد محمود عادل: "لم أشعر بضيق في الحجز، خاصة أنه لم يعتد علي أحد أثناء وجودي بالحجز"، ويضيف أنه قبل إخلاء سبيله بيوم واحد قام مأمور شرطة الإسكندرية باستدعائه لمكتبه وأهداه دجاجة كاملة ليأكلها، ثم طمأنه أنه سوف يخرج.
ويتابع: "وبالفعل في اليوم التالي صباحا؛ حيث قام أحد الضباط بسؤالي عن رقم الهاتف المحمول الخاص بوالدي وطالبه بالحضور لاستلامي فجاء والدي مسرعا".
ويوضح أنه ليس غاضبا من الشرطة رغم قيامهم بضربه، ويختتم حديثه بتأكيده أنه غير متابع للسياسة ولا يعرف حتى أسماء بعض السياسيين البارزين ويقول: "في الحقيقة أنا لا أشارك في المظاهرات لكنه قدري".