هداية الصعيدي ـ صور: مصطفى حسونة
غزة ـ الأناضول
لا يحتاج من هو هنا أن يرفع صوته ليصبح أعلى من ضجيج ماكينات قطع الخشب إن أراد أن يحادث أحد زملائه، بل يكفيه أن يحرك يديه في إشارات هي حكر له ولمن حرموا نعمة النطق مثله.
ويكفيه ممن يحادثه عينيه فقط دون صوته لتبدأ محادثة لن يفهمها أهل الكلام إلا ما ندر. ولن يحتاج أيضاً لأن يغلق أذنيه لتفادي صداعًا قد يسببه ضجيج المكان.
فريق "الأناضول" انطلق في رحلة لمقر جمعية "أطفالنا للصم" في قطاع غزة حيث يوجد فيه منجرة (ورشة لتصنيع الأثاث المنزلي) جميع القائمين عليها من الصم وضعاف السمع، ومن ثم يتم عرض الأثاث في معرض خاص بهم.
وخلال مرورنا في أحد أروقة الجمعية متجهين إلى الورشة شاهدنا تصميمًا، يمثل جلسة فلسطينية (مجموعة كراسٍ للجلوس عليها) يظهر فيها التراث الفلسطيني يسحر من يراه وهو من تصميم الشباب والفتيات الصم.
قبل أن نبدأ حوارنا مع هاشم غزال (47 عامًا) انتظرنا قليلاً ريثما يخبره مترجم الإشارة برغبتنا بإجراء حوار معه حول عمله.
ويقول غزال بلغته الأم (الإشارات): "أعمل في تصميم الأثاث وصناعة أطقم الكنب (أرائك للجلوس عليها) منذ زمن، وأرغب في مساعدة فئة الصم وتوفير حياة كريمة لهم ومصدر دخل من خلال تعليمهم هذه المهنة".
وأضاف لمراسل الأناضول: "أريدهم (الصم) أن يشعروا أنهم كما الأشخاص العاديين وليسوا بعالة على المجتمع، إنما هم قادرون على الإنتاج والعمل".
غزال والذي يظهر عليه الرضا بقدره هو مسؤول المنجرة في الجمعية، والتي يعمل فيها ثلاثون شخصًا من الصم في إنتاج الأثاث المنزلي بأنواعه المختلفة.
وخضع العاملون في المنجرة لسلسلة دورات تدريبية في مجالات النجارة والنحت والرسم على الخشب في محاولة من الجمعية لإكسابهم الخبرة اللازمة في هذا المجال، بحسب مسؤولين بالجمعية.
ويوضح غزال أنه يحاكي من خلال منتجاته التراث الفلسطيني والنقش الإسلامي والفن التركي.
ثم انطلق فريق "الأناضول" ليلتقط صورًا لنتاج ما رأوه قبل قليل من منتجات خشبية في المنجرة، حيث استقرت السيارة واقفة أمام واجهة معرض "أطفالنا للأثاث"، الذي يضم أطقم كنب وغرف نوم وغرف أطفال وأثاثًا منزليًّا يحمل بعضه التراث الفلسطيني، والناظر إلى تلك المنتجات يعلم بأن أيادى حرفية مدربة على مستوى عالٍ هي من أنتجتها.
وجمعية "أطفالنا للصم" هي جمعية فلسطينية غير ربحية تعمل على تقديم خدمات أكاديمية ومهنية للصم بهدف تحسين ظروف حياتهم في مجالات التعليم والخدمات المجتمعية والصحة وتوفير فرص العمل.
نعيم كباجة، مدير جمعية أطفالنا للصم بغزة، يقول للأناضول: "يأتي تنفيذ مشروع معرض (أطفالنا للأثاث) ضمن مشروع در الدخل وتوفير فرص عمل للأشخاص ذوي الإعاقة السمعية والذي ينفذ بتمويل مشترك من الاتحاد الأوروبي".
ويستمر المشروع لمدة ثلاث سنوات من يناير/كانون الثاني 2012، وحتى ديسمبر/كانون أول 2014 بالشراكة بين الاتحاد الأوروبي ومؤسسة كرسيتوفل بلايندمينسون الألمانية CBM.
وأكمل فريق الأناضول مسيرته حيث كانت وجهته الأخيرة إلى مطعم "أطفالنا الصم" الذي يقع قبالة ميناء غزة البحري، وجميع طاقم المطعم هم ممن حرموا نعمة الكلام، وفي هذا المكان إن قصده أحدهم لتناول وجبة طعامه فإنه يكفيه أن يشير بيده في قائمة الطلبات إلى ما يريد دون أن يفتح فمه بكلمة واحدة.
الشاب الأصم أحمد دهمان، 23 عامًا، أحد العاملين في المطعم يقول للأناضول: "المطعم أتاح لي فرصة عمل أثبت من خلالها ذاتي، وأدعو جميع الصم أن يبحثوا عن فرص عمل يحققون من خلالها ذاتهم ودورهم في المجتمع".
وفي حال وصول عميل جديد يرحّب به دهمان بإيماءة برأسه مقدما له قائمة الطلبات التي غلفت بمطرزات يدوية من تصميم الفتيات الملتحقات بالجمعية.
ويوضح كيفية تعاملهم مع الزبائن بقوله: "الناس يترددون ويفكرون كيف سيكون التعامل مع الموجودين في المطعم ولكننا من خلال قائمة الطلبات المرقمة بالأرقام والرموز نتعامل معهم بسهولة".
ويضيف: "نلقى تفاعلاً من الزبائن ونشعر بحب تعاملهم معنا، ودائمًا ما نجدهم حريصين على تعلم لغة الإشارة، ونحن نسألهم عن رأيهم في وجباتنا ومطعمنا وهل لديهم رغبة في إضافة أشياء أخرى".
ويزين مدخل المعرض مشغولات يدوية تمثل التراث الفلسطيني، وهي من إنتاج الفتيات الملتحقات بجمعية أطفالنا للصم، وأثاث وديكور المطعم من تنفيذ الصم العاملين في المنجرة التابعة للجمعية.
ويبين مدير الجمعية أن مشروع مطعم "أطفالنا للصم" بتمويل من مؤسسة "دروسس" السويسرية ضمن برنامج در الدخل وتوفير فرص عمل للشباب الصم.
ويضيف: "نهدف من خلال المشروعين إلى الوصول بالصم إلى حياة كريمة وتوفير فرص عمل لهم، وهدفنا الأسمى أن نوصل رسالة للمجتمع المحلي والدولي أن هؤلاء الأشخاص إن توفرت لهم ظروف مناسبة فإنهم يبدعون ويقدمون الكثير للمجتمع".
ويشير إلى أن الجمعية تقوم بتدريب مستمر لفئة الصم خاصة في المجال المهني والحرفي والنجارة والطهي.
ويؤكد كباجة أن "هذه المشاريع تقنع المجتمع بأن هؤلاء الصم وضعاف السمع ليسوا عالة عليه بل هم فئة داعمة وقادرة على تطويره".
ويتمنى أن تكون هذه المشاريع قادرة على تمويل نفسها وتفتح الباب لأكبر عدد من العاملين وتمكن الأصم من أن يندمج في مجتمعه اندماجًا كاملاً ويمارس حياته بقناعة وتكيف مع من هم حوله.