علا عطا الله - فيديو: متين كايا- صور: مصطفى حسونة
غزة - الأناضول
وهي تحرّك شفتيها بمفردات يتحول فيها حرف الحاء إلى هاء، والراء إلى ياء، فتخرج كلمة "واحد" من فمها "واهد"، وتتحول "الفراشة" على لسانها إلى "فياشة".. يكاد يخيّل لمن يرى ابنة غزة "سارة جمال" ذات الأعوام الأربعة أنها طفلة أجنبية تتعلم لتوّها أبجديات لغة الضاد.
غير أن جهازًا صغيرًا تربطه الأسلاك يسكن أذنها، ويلتف على شعرها الذهبي، يكشف سر حكاية تلعثمها، وخروج كلامها بطريقة متكسرة غير واضحة.
وعلى مقعدٍ صغير في إحدى غرف "جمعية الأمل" لزارعي القوقعة بقطاع غزة، جلست صاحبة العينين الزرقاوين تتمتم بكلمات لم يكن من السهل على مراسلة وكالة الأناضول للأنباء أن تترجم حروفها.
اثمي سالة (اسمي سارة) , تهمس بخجل يلف عشرات الأطفال الذين يتلقون الرعاية داخل الجمعية، والتي يكون فيها التأهيل النفسي في مقدمة الخدمات، كما تؤكد "بسمة صلاح" المسؤولة عن برامج قسم التأهيل في الجمعية.
فسارة، طفلة كانت تعاني من الصمم الوراثي، غير أن ذويها ثبتوا لها "قوقعة" مكنتها من استعادة حاسة السمع، أخرجتها من عالم الصمت، لكنها تحتاج لعملية تأهيل كي تستطيع الاندماج في عالمها الجديد.
وقبل التأهيل السمعي أكدت صلاح في حديثها لـ"الأناضول" أن الجمعية تقوم، وعبر مختصين، بتأهيل هؤلاء الأطفال نفسيًا, ثم تبدأ مرحلة التأهيل السمعي النطقي المتعلقة بإدراك وتمييز الأصوات, والعمل على إكساب الطفل المهارات السمعية, والتدرج بهم إلى اللغة المحكية.
وتقدم الجمعية خدماتها إلى 120 طفلاً هم عدد زارعي القوقعة في غزة، ممن فقدوا سمعهم.
وكانت زراعة القواقع بغزة لهؤلاء الأطفال قد أجريت خلال السنوات الثلاث الماضية على يد الجراح العالمي البروفيسور الإماراتي مازن الهاجري، صاحب أول عملية زراعة للقوقعة على مستوى العالم عام 2004.
وتتألف هذه القوقعة من ميكرفون يرتبط بسلك صغير يستقبل الإشارات ويرسلها إلى معالج للإشارة تحتاج، بحسب "صلاح"، إلى صيانة دائمة وبرمجة.
وتكلفة جهاز القوقعة الواحد ثمانية آلاف دولار، وهو ما جعل "صلاح" توجه نداءها بضرورة دعم هذه الفئة.
وأضافت: "في الجمعية نقدم الخدمات للأطفال وفق المقاييس العالمية للتأهيل, لكن ينقصنا المكان الملائم فنحن في مبنى بالإيجار ولا يصلح لتهيئة الأطفال, إلى جانب حاجتنا للدعم المادي لفحص الأجهزة وتغيير ما يتعطل من أسلاك وبطاريات".
وتتمنى "صلاح" أن تساهم أيادي الخير في الداخل والخارج في دعم الجمعية للعمل على دمج هذه الفئة في المجتمع وتأهيلها لكي يكونوا أطفالا كبقية أقرانهم.
وعلى سبورة صغيرة لم يجد كريم مقداد ابن الأعوام الخمسة صعوبة في حل المسائل الرياضية.
وتشير معلمته، أخصائية النطق والتأهيل السمعي "سوزان سليمان", إلى أن مقداد التحق بروضة "المبدع الصغير", وتفوق على الأصحاء في المسائل الحسابية.
ويقضي مقداد ثلاثة أيام في الروضة فيما تواصل معه الجمعية "عملية التأهيل" في بقية الأيام. وتتمنى "صلاح" أن ينتقل جميع الأطفال إلى المدارس.
وتستدرك قائلة: "لا نريد أن يكون الحل أمام الأطفال الصم هو لغة الإشارات، فأمام تطور العلم والأمل بزراعة القواقع ليس من المستحيل أن يندمج هؤلاء في المجتمع..".
وفي إحدى الغرف انهمك الصغار في حل أحد الاختبارات, فيما تحلّقت مجموعة من الأطفال في غرفة أخرى حول معلمتهم التي كانت تحمل ألبومًا من الصور.
وكلما أشارت إلى صورة جاءتها الإجابة "هادا أمو (هذا عمو).. هادي آلي (هذا خالي)".
وتقول "صلاح" إنهم يحاولون بهذه الطريقة تقوية إدراك الطفل وتنمية الحس السمعي لديه من خلال التعرف على أسماء من حوله من شخصيات وأشكال وكافة التفاصيل.
وهي تحاول الاختباء خلف صديقتها, بدأت الطفلة "هدى الكاشف" صاحبة الأعوام الأربعة في ترديد أنشودة "ماما جابت بيبي" (نشيد أطفال مشهور في العالم العربي) وعندما بدأت في التغلب على خجلها شرعت في كتابة اسمها بشكل مرتب أنيق.
وشددت "صلاح" على أن هؤلاء الأطفال ليسوا معاقين ولا يجوز توصيفهم في خانة "الصُم".
وتستدرك بالقول : "إنهم يفهمون الكلمات.. وزراعة القوقعة مع تقديم كامل الدعم لهم ستؤهلهم ليكونوا مثل غيرهم".