علا عطا الله
تصوير: أشرف أبو عمرة
غزة - الأناضول
بحنين وشغف عمره أكثر من عقدين، كانت أم الأسير "إبراهيم بارود" صباح اليوم الإثنين 8-4-2013 تضبط ساعة انتظارها وهي تحدّق بالباب الذي انفتح أخيراً كاشفاً عن غائبٍ ظل حبيس الجدران 27 عاماً.
ومع أولى تباشير الفجر أخذت الأم السبعينية تصرخ بعقارب الزمن بأن تتوقف لكي تعيد ترتيب أبجديات الفرح المؤجل منذ سنوات مرت أيامها ولياليها على قلبها كصحراء لا تنتهي.
وعلى عكس الصورة التي تلتقطها لها دومًا كاميرات الإعلام وهي تنطق ألمًا، ضحكت أم إبراهيم هذه المرة بأعلى درجات السعادة واعترفت: "قلبي الآن بردًا وسلامًا".
"وأفرجت سلطات الاحتلال صباح اليوم الإثنين عن الأسير بارود حيث وصل إلى غزة عبر حاجز بيت حانون/ إيريز شمال قطاع غزة، فيما كانت عائلته وذووه والمئات من المواطنين في استقباله.
وتفننت "أم إبراهيم" والتي يُطلق عليها الفلسطينيون لقب "عميدة أهالي الأسرى" بتزيين لوحات استقبال العائد بعد طول انتظار، وأخذت تزغرد لمحررها كطفلٍ يشتاق لصباح العيد.
وقالت جمعية واعد للأسرى في بيانٍ وصل "الأناضول" نسخة منه إن عملية الإفراج عن الأسير تمت في خطوة مفاجئة إذ كان من المقرر وصوله مساء غدٍ الثلاثاء.
وهنأت "واعد" المحرر بارود وعائلته بسلامة الإفراج عنه، مشيرة إلى أن قرابة 400 أسير لا يزالون داخل سجون الاحتلال محكوم عليهم بالمؤبد مدى الحياة (25 عامًا).
كما لفتت إلى أن ملف الأسرى كبار السن بات يؤرق العائلات الفلسطينية والحركة الأسيرة داخل السجون، لما للأمر من مأساة إنسانية بالغة الصعوبة.
ووصفت اليوم بـ"العرس الوطني" متمنية في الوقت ذاته أن يتذوق كافة الأسرى وذووهم طعم الحرية.
وبعد أن سجدت أم الأسير لله أخذت تبكي ثم عانقته طويلاً وتركت العنان لصوتها يغني ويزغرد.
وبعينيها اللتين تلمعان فرحاً قالت لمراسلة وكالة الأناضول: "أنا الآن أتنفس.. أنا الآن أحيا..".
أم إبراهيم المنتشية فرحاً اليوم بتحرير ابنها كم كانت تخشى أن يداهمها الموت الذي عجّل قبل 11 عاماً برحيل زوجها، قبل أن ترى عيناها إبراهيم الذي أصبح ضمه إلى صدرها وعناقه بين ذراعيها حقيقة لا حلماً.
تريد الأم "الغزاوية" التي لم تر ابنها خلال 14 عاماً سوى مرتين، أن تعلم قرة عينها الخارج لتوه للنور أبجدية "باء الحرية" بعيداً عن عتمة السجن، وها هي جهزت له بيته المسقوف بالسماء حتى يعانق حياة جديدة تمسح بشمسها وهوائها وليلها وقمرها وعبير زهورها ذاكرة سنوات من "ظُلمة السجان".
كاميرا الأناضول وهي تتجول في أرجاء بيت الحرية لإبراهيم بارود، أشارت لها الأم بيدها إلى تلك الغرفة التي تزينت لاستقبال عريسها حتى تعوضه هي والعروس التي ستشاركه حريته وقادم أيامه عن عذاب السنين وما كابده من أوجاع داخل السجن.
وقبيل وصول إبراهيم إلى "حارته" التي ترعرع ونشأ فيها، عجّ بيته بالمهنئين، وارتفعت ألحان الاحتفاء ولم تتوقف احتفالاً به.
وفي غمرة فرحتها لم تنس أم إبراهيم من دعائها بقية الأسرى القابعين وراء القضبان الحديدية الإسرائيلية، بالفرج القريب من الله سبحانه وتعالى.
إبراهيم الذي اعتقل يوم أن كان عمره لم يتجاوز الـ23 عاماً، خرج اليوم وهو ابن الخمسين ربيعاً، ترك أهله شاباً يافعاً وعاد إليهم مسناً، لكن مدرسة "الحنان والحب" التي أسستها له والدته ستعيده طفلاً يبدأ فيها حياته من جديد، بحد قوله.
وكانت قوات الاحتلال قد اعتقلت إبراهيم بارود في الثاني من أبريل/ نيسان 1986 من منزله في مخيم جباليا للاجئين، شمال قطاع غزة، وقضت محكمة الاحتلال آنذاك بسجنه 27 عاماً، بتهمة الانتماء والمشاركة في فعاليات المقاومة.
وتعتقل قوات الاحتلال في سجونها قرابة خمسة آلاف أسير فلسطيني بينهم 450 أسيرًا من قطاع غزة، معظمهم من قدامى الأسرى وأصحاب الأحكام العالية يعيشون ظروفًا قاسية وذلك وفقًا لمؤسسات رسمية وحقوقية فلسطينية معنية بشؤون الأسرى.