أيمن جملي
تونس - الأناضول
تكتسب مدينة القيروان التونسية خلال الأيام الأخيرة بشهر رمضان رونقا خاصا حيث تستعد لاستقبال عيد الفطر المبارك بطقوس تميزها عن سائر البلاد.
استعدادات "القيروان" لعيد الفطر تبدأ بشراء إحتياجات الأطفال من الملابس ولا تنتهي بإعداد حلوى "المقروض" القيرواني التي تشهد خلال تلك الأيام إقبالا لا نظير له.
وتبعد القَيْرَوَان عن تونس العاصمة بنحو 160 كيلومتر ، واشتهرت لدورها الاستراتيجي في الفتح الإسلامي حيث إنطلقت منها حملات الفتح نحو الجزائر والمغرب وإسبانيا وأفريقيا بالإضافة إلى أنها بها مقابر عدد من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.
وتعكف الأمهات بالمدينة على إعداد الحلويات الخاصة بيوم العيد، وعادة ما يتصدر "المقروض القيرواني" الأطباق التي ترسل الى الأفران المتاخمة للحي للطهي.
ويعتبر "مقروض القيروان" أحد أشهر الحلويات وأكثرها أصالة، فهو رمز للمدينة، دأب أبناءها على توارث ''الصنعة" أبا عن جد، وتشهد هذه الحلويات إقبالا كبيرا في آخر أيام الصيام، كما يحرص زوار المدينة على شراءه وحمله هدية للأصدقاء والأحباب.
والتصقت بالمقروض القيرواني أكثر من حكاية، وعن تاريخه يقول سليم السقني، وهو سليل عائلة ورثت صناعة المقروض لأكثر من قرن ، لمراسل وكالة الأناضول للأنباء، "المكونات الأساسية لهذه الحلويات تختزل في السميد (القمح) والعسل والتمر".
ويضيف: يجلب العسل من الأرياف المتاخمة للقيروان، حيث يربى النحل في الجبال وينتج عسلا ذو جودة عالية ، والسميد من قمح الشمال، أما التمور فنصر على اقتنائها من الجنوب التونسي أرض دقلة النور".
وصناعة "المقروض" عرفت نقلة نوعية خلال العقود الماضية، ولكن أهم مرحلة عرفتها كانت خلال الخلافة العثمانية ، حينها اكتسب بعدا صناعيا وخصصت لها أدوات وأواني نحاسية صناعة تركية ، وصار لها قالبا من الخشب منقوش نماذجه مستلهمة من زخارف المنبر وأشكاله الهندسية .
تقول لطيفة - 45 سنة – "لا يمكن أن يمر عيد دون أن نعد حلويات المقروض للعائلة حيث نعجن السميد بالزيت جيدا ونضيف إليه بعض المكونات وحين تجهز العجينة نشرع في تشكيل مستطيلات طويلة منها تطرح على رقعة كبيرة من الرخام .. وتحشى العجينة بالتمر في الوسط في شكل متوسط السمك ثم تطوى حول الحشو ويوضع فوقها قالب خشبي خاص بصناعة المقروض عليه نقوش مميزة".
وبعد طهي قطع المقروض تأتي مرحلة "التشحير" وهي غمسه جيدا في إناء العسل وإخراجه بعد برهة وتقديمه للضيوف.
ويحرص كل صانع للمقروض على إيجاد وصفة خاصة به ويعمل على أن تتوارث التركيبة لأجيال، ومن هنا لم يكن مستغربا أن يسأل الباحث عن محل لبيع المقروض في القروان عن إسم العائلة وتاريخها مع هذه الصناعة الضاربة في القدم قبل الشراء.
وإلى جانب الحلوى تنشغل الأسرة كذلك بشراء احتياجات العيد خاصة الملابس.. يقول إسماعيل، وهو أب لتوأم، يصطحبهما يوميا منذ النصف الثاني من شهر رمضان الى محلات الملابس بحثا عن ملابس تكون مناسبة ثمنا وجودة.
ويقول "يوم عيد الفطر صباحا بعد المعايدة يكون هناك حالة من المنافسة بين الصغار ويكافئ صاحب أجمل ملبس، لذلك يلومني أبنائي إن لم يقع عليهم الاختيار من بين الأطفال".
وتعج الازقة والأسواق بمختلف مقتنيات العيد من لباس للكبار والصغار ولعب الأطفال وتفترش الشوارع بأنواع كثيرة من السلع الموردة من الخارج وخاصة الدمى الصغيرة ومجسمات للأسلحة والبنادق التي يحبها الأطفال.
يقول المنجي - 36 سنة موظف، "راتبي لا يسمح لي نظريا بأن أتحمل نفقات شهر رمضان وعيد الفطر ولكن بحكمة الله في التدبير أسعد العائلة والأطفال كل عام "، فيما تقول ابنته، ذات الـ11 ربيعا: ''أضع ملابسي الجديدة ودمية القماش تحت الوسادة وأنام في الليل وأحلم وكأنني أميرة صباح العيد".
ويحبذ القيروانيون التجول مع العائلة في الأسواق القديم للمدينة ليلا ويخص الأبناء الأجداد بلباس جديد.. فعادة ما يهدى للجد ''جبة'' من الحرير الخالص وتهدى الجدة ''جلابية'' حيكت باليد وتحمل نقوشا مطرزة بألوان متناسقة.
فيما يجلس الأطفال في إنتظار "المهبي"، وهي عبارة عن قطع من النقود الصغيرة من زوار المنزل صباح العيد.