سيدي ولد عبد المالك
باماكو - الأناضول
ساعد التجييش الإعلامي حول التدخل العسكري بشمال مالي في حجب الأزمة العميقة التي تعيشها السلطة المركزية (الرئيس بالنيابة، رئيس الوزراء، العسكر) في باماكو والمتمثلة في اختلاف المواقف والحسابات والتقديرات لدى الأطراف الرئيسية الحاكمة بشأن أولويات برنامج المرحلة الانتقالية ومعالجة ملف استعادة البلاد لسيطرتها على كامل التراب المالي.
وقد استفحلت الخلافات بين هذه الأطراف في الآونة الأخيرة بعد شبه التأكد من حسم قضية التدخل الأجنبي العسكري بالبلاد والذي يتبناه الرئيس المالي بالإنابة ديكوندا تراوري ورئيس الوزراء المستقيل الشيخ موديبوا ديارا في حين يعارضه زعيم الانقلابيين النقيب "مامادو صانوغو" والجناح السياسي المحسوب عليه هذا التدخل.
وأخذ السجال بين هذه الأطراف والذي استقر في الأخير على تصفية حسابات بين "ديارا" و"صانوغو" مظاهر مختلفة لعب مؤيدو الطرفين فيها دور المواجهة المفتوحة من خلال التصعيد الإعلامي والاحتجاجات الشعبية.
فقد اتهمت الصحف المقربة من "صانوغو" الأسبوع الماضي رئيس الوزراء المستقيل "ديارا" بالفساد، وقالت إن الرجل "خصص مبلغ ربع مليون دولار لترميم منزله الشخصي في الوقت الذي تعاني منه البلاد أزمات اقتصادية واجتماعية".
كما خرج "صانوغو" نفسه قبل أربعة أيام ليعلن رفض الجيش للتدخل العسكري، وليؤكد على قدرة قوات الجيش المالي على تحرير شمال البلاد، وهي خطوة رآها مراقبون تحديًا صارخًا من "صانوغو" الذي يوصف بالحاكم الفعلي للبلاد لتوجهات أبرز شخصيتين بالبلاد (الرئيس بالنيابة، ورئيس الوزراء).
في المقابل، تظاهر المئات من أنصار "ديارا" في اليوم التالي لتصريحات "صانوغو"، منددين بتصريحاته ومطالبين بتدخل عسكري خارجي عاجل.
ويمكن تشخيص خلفيات الأزمة بين الرجلين في العاملين التالين:
1- تنازع الصلاحيات: لم يقبل "ديارا" منذ تعيينه وزيرًا أول تلقي الأوامر والتعليمات من طرف النقيب "صانوغو" بعد إبعاد الأخير عن هرم السلطة بموجب اتفاق تم تحت رعاية إقليمية.
وقد لعب هذا الأمر دورًا أساسيًّا في تكريس حالة الجفاء بين الرجلين. فـ"صانوغو" الضابط المتنفذ والمشاكس يرى لنفسه الحق في توجيه المسار العام للبلاد باعتبار نفوذه القوي في المؤسسة العسكرية والذي تعزز بعد أن أوكلت له رئاسة هيئة تعني بإصلاح المؤسسة العسكرية، كما يراهن على ظهير سياسي فاعل وشعارات تؤكد علي سيادة مالي.
لم يتعامل "ديارا" مع "صانوغو" كرجل يُدير "سلطة ظل" بمعسكر "كاتي" الواقع علي بعد 20 كلم من العاصمة باماكو، ولم يكن يعلم أن موازين القوى غير المتكافئة داخليا مع غريمه يمكن أن تعصف به في أي وقت كما حصل.
فعالم الفضاء "ديارا" الذي عاش معظم حياته بعيدا عن دهاليز الحكم ومراوغات السياسة ببلده، كان يظن أن الاتكاء على شرعية "هشة" تمت بمباركة من دول إقليمية ودولية قد ينجيه من العسكر.
2- طموح الرئاسة: كان اسم "ديارا" من الأسماء المطروحة بقوة لخوض الانتخابات الرئاسية التي كان من المقرر تنظيمها في أبريل 2012 تحت ظل نظام الرئيس مامادو توماني توري، الذي تمت الإطاحة به في مارس من العام الجاري لتدخل البلاد أزمتها الراهنة.
ولم يمنع "ديارا" موقعه بالمرحلة الانتقالية (رئاسة الحكومة) من التأكيد في أكثر مناسبة على عزمه المشاركة في الانتخابات الرئاسية القادمة.
غير أن حظوظ "ديارا" الانتخابية ورضا القوي الدولية والإقليمية عنه لإدارة المرحلة القادمة يزعج كثيرا غريمه "صانوغو" الذي يرى في التمكين لـ"ديارا" خطرا على مستقبله السياسي، لذا كان لابد من تلطيخ صورته وإظهاره بمظهر العاجز حتي تُسهم هذه المكيدة السياسية في التأثير على شعبية "جارا" إن قُدر له خوض الاستحقاقات الرئاسية التي لم يتم بعد الاتفاق على موعد إجرائها.