علا عطاالله
تصوير: مصطفى حسونة
فيديو: بلال خالد
على رملٍ تشي ذراته الصفراء بمناخ صحراء النقب، الواقعة جنوب إسرائيل، اصطفت عدد من الخيام والزنازين الحديدية تلفها الأسلاك الشائكة في ساحة السرايا وسط مدينة غزة, في خطوة رمزية أراد القائمون عليها أن تحاكي معاناة وآهات الأسرى في السجون الإسرائيلية، خاصة "سجن النقب" الصحراوي.
وفي العاشر من إبريل/نيسان القادم ستكون غزة على موعد مع افتتاح هذا السجن "الرمزي" الذي يصف من خلال أقسامه أوجاع ما يكابده الأسرى والمعتقلين ليل نهار في سجون إسرائيل، وفي مقدمتها سجن النقب الذي ارتبط منذ افتتاحه عام 1988 بالانتفاضة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي.
وأنشأ الجيش الإسرائيلي في مارس/ آذار 1988 هذا المعسكر الذي يقع في صحراء النقب لاستيعاب الأعداد الكبيرة من الفلسطينيين الذين اعتقلهم في الضفة الغربية وقطاع غزة مع اندلاع الانتفاضة الأولى (1987-1994).
ويسعى هذا الحدث - كما يؤكد "عبد الله قنديل" المتحدث باسم جمعية واعد للأسرى والمحررين والتي تنظم الفعالية - إلى أن يكون السجن ناطقا لجرح الأسرى داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي.
وفي حديثه لمراسلة "الأناضول" قال "قنديل" إن "الهدف من إنشاء هذا السجن التراثي الرمزي هو تفعيل قضية الأسرى وإعادتها إلى واجهة أولويات الشارع الفلسطيني" .
و"على قسمين سيتشكل السجن، أولها عبارة عن خيام تشبه سجن النقب الصحراوي، فيما سيحتوي القسم الثاني على زنازين عديدة, تحاكي معتقلات الاحتلال وفي مقدمتها سجن غزة المركزي أو ما كان يعرف سابقا بسجن (السرايا)"، بحسب قنديل.
ويرى قنديل أن إقامة السجن على هذه الأرض تحمل رسالة مفادها أن "هذا المكان كان يضم سجنا سابقا, تعذب في أروقته قيادات وأبناء الشعب الفلسطيني، وعلى أنقاضه نذكر العالم بآلامنا وأملنا أن نقف قريبا على حطام وأنقاض سجن نفحة (يبعد 100 كلم عن مدينة بئر السبع و 200 كلم عن مدينة القدس وهو من أشد السجون الإسرائيلية قسوة) وكافة السجون".
وتقع ساحة السرايا وسط مدينة غزة، وكانت تضم سجن غزة المركزي، الذي أنشأ في الثلاثينات في عهد الانتداب البريطاني كمقر للقيادة العسكرية البريطانية، وبعد عام 1948 تم استخدامه كمجمع للدوائر الحكومية، في عهد الإدارة المصرية.
وبعد احتلال إسرائيل لقطاع غزة عام 1967 استخدمته إسرائيل كسجن لأبناء القطاع وتم توسيعه ليشمل خمسة أقسام، بالإضافة إلى مجموعة من الزنازين في الطابق الأرضي، وقسم التحقيق في الدور الثاني أطلق عليه الفلسطينيون "المسلخ" لشدة وقسوة التحقيق فيه.
وخلال الحرب الإسرائيلية على غزة أواخر عام 2008، تعرض لقصف شديد من قبل الطائرات الإسرائيلية فهدم بالكامل وتحول إلى ركام .
ووصف قنديل السجن وما سيحتويه من فعاليات بـ"التضامن الغير تقليدي" مع الأسرى، ومضى شارحا بالقول: "بعيدا عن روتين البيانات والوقفات التضامنية والمسيرات, سيكون أمامنا صورة حيّة لمعاناة الأسرى من خلال مشاهد تمثيلية تكشف الواقع الحقيقي لعذابات السجون، وسيشاهد العالم مشاهد الشبح والتعذيب وكل تفاصيل ما يجري داخل السجون من وجع".
ويتمنى قنديل من كافة القيادات الفلسطينية والدولية أن تتواجد لقراءة واقع الأسرى ومعاناتهم من خلال هذا السجن، متأملا في ذات الوقت أن يقوم رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان وخلال زيارته المرتقبة لغزة برؤيته والاطلاع على أقسامه الراوية حكاية "ألم السجون".
وكان رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردغاون قد أعلن عن عزمه القيام بزيارة إلى قطاع غزة قريبا مؤكدا أن الهدف من الزيارة دعم الشعب الفلسطيني المظلوم.
ولن يكون يوم الافتتاح عاديا بالنسبة للأسير السابق والباحث في شئون الأسرى "عبد الناصر فروانة" فرؤية الزنازين والخيام كفيلة بإسالة الدموع الغزيرة من عيونه .
وقال فروانة في حديثه لمراسلة "الأناضول" إن افتتاح هذا السجن سيفتح بالنسبة له ولكافة الأسرى المحررين ذاكرة الأحزان.
وأضاف: "هذه اللحظات الصعبة ستثير في داخلنا مشاعر الألم وستعيدنا إلى قسوة ومرارة أيام السجن".
ودعا فروانة إلى أن "يتم تحويل أرض السرايا إلى تراث أو متحف يؤمه كل من هو معني بالاطلاع على معاناة الأسرى وظروف احتجازهم".
ووصف هذه الخطوة بـ"الرائعة"، مشيرا إلى أن "نبش الذاكرة وتوثيق التجربة يحفز الآخرين للتفاعل مع قضية الأسرى وترجمة دموع معاناتهم" .
يشار إلى أن مواجهات عنيفة اندلعت خلال اليومين الماضيين في الضفة الغربية والقدس بين فلسطينيين وقوات الاحتلال الإسرائيلي عقب وفاة الأسير أبو حمدية (64 عامًا) الثلاثاء في مستشفى سوركا الإسرائيلي بعد معاناة طويلة مع مرض السرطان، وحمَّل الرئيس الفلسطيني محمود عباس إسرائيل المسؤولية عن وفاته.
وقال حقوقيون فلسطينيون إن أبو حمدية توفي نتيجة "الإهمال الطبي المتعمد" من إدارة السجن.
وتعد وفاة أبو حمدية الحالة الثانية لوفاة أسير بالسجون الإسرائيلية خلال العام الجاري، حيث توفي الأسير عرفات جرادات في فبراير/ شباط الماضي، خلال تحقيق السلطات الإسرائيلية معه، وفيما اتهمت جهات فلسطينية إسرائيل بـ"تعذيبه حتى الموت"، قالت السلطات الإسرائيلية إنه قضى حتفه متأثرًا بـ"أزمة قلبية".
وبحسب إحصائيات متطابقة لوزارتي شؤون الأسرى في حكومتي غزة ورام الله، يقبع حاليًا حوالي 4660 أسيرًا وأسيرة فلسطينية في 17 سجنًا ومعسكرًا إسرائيليًّا، بينهم 3822 أسيرًا من الضفة، و449 من غزة، و152 من القدس، و206 من إسرائيل، و31 أسيرًا من الدول العربية، اعتقلت إسرائيل أغلبهم بتهمة "محاولة تنفيذ عمليات ضدها عبر الحدود.