تونس/ عادل الثابتي/ الأناضول
مع اقتراب موعد الدور الثاني للانتخابات التشريعية التونسية الأحد المقبل، يتصاعد الجدل في تونس حول نتائج هذا المسار الانتخابي الذي شهد نسبة مشاركة ضعيفة في الدور الأول، رغم دعوات الرئيس قيس سعيد للإسهام في "بناء المؤسسات الجديدة".
الباحث في علم الاجتماع هشام الحاجي قال للأناضول "الملاحظ أن الدور الثاني يجري في حالة لامبالاة لا مسبوقة من الرأي العام أكثر من الدور الأول، وهذا يعني أن نسبة المشاركة لن تتجاوز النسبة المسجلة في الدور الأول".
وفي 17 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، أُجري الدور الأول من الانتخابات وفاز فيه 23 مترشحا، بينهم 3 نساء، بمقاعد من أصل 154 مقعدا في مجلس "نواب الشعب".
وسجل الدور الأول نسبة مشاركة متدنية بلغت 11.22 بالمئة من الناخبين، وهو ما اعتبرته أحزاب سياسية "فشلا" لإجراءات رئيس البلاد قيس سعيد الاستثنائية، ودعت إلى انتخابات رئاسية مبكرة.
.وفي خصوص نسب المشاركة المنتظرة في الدور الثاني، قال الحاجي: "النسبة في كل الحالات لن تتجاوز الدور الأول، بل ستكون أقل ولا يوجد ما يدل على ان البلاد في حملة انتخابية".
وحول عدم تفاعل الرئيس مع الدعوات التي أطلقت لتأجيل الدور الثاني للانتخابات التشريعية، قال الحاجي: "رئيس الجمهورية يرفض كل شكل من أشكال الحوار مع بقية مكونات المشهد السياسي ويواصل قدما في مشروعه الذي يمثل في جوهره قطيعة مع كل التجارب السياسية التي عرفتها تونس سواء في عهد الجمهورية الأولى أو الثانية "
إلا أن عثمان بلحاج عمر (قيادي في حزب البعث وعضو مبادرة "لينتصر الشعب" المقربة من الرئيس قيس سعيد) يقلل من أهمية تأثير النسب المتدنية للمشاركة الشعبية ويقول الانتخابات كانت على الأفراد والشعب لم يتعود عليها".
وأرجع تدني نسبة المشاركة في الدور الأول إلى اتباع نظام القوائم بدل النظام الفردي المعتاد في تونس، قائلا"الانتخابات على القوائم فيها مساوئ إذ يترشح الشخص في جهة غير جهته والأصوات لم تكن تمر لأشخاص بل الناس تصوت ليافطة حزب".
كما رأى أن "النسبة كانت منخفضة لأن المزاج لم يكن مساعدا مع أزمة غلاء الأسعار وندرة المواد الأساسية فضلا عن صراع إعلامي حاد فيما لم تقم السلطة بدورها لإنجاح الانتخابات".
وأوضح بلحاج عمر "حتى في الدور الثاني ربما تكون نسبة المشاركة أقل لأن عدد المترشحين أقل"
وعلى عكس توقعات الحاجي بأن يعمق الدور الثاني للانتخابات التشريعية الأزمة يقول بلحاج عمر إن "الدور الثاني هو آخر لبنة في المنظومة السياسية التي أتت بها إجراءات 25 جويلية، بدءا من الاستشارة الشعبية والحوار الوطني والدستور الجديد ثم الاستفتاء عليه والانتخابات" البرلمانية.
وأضاف بلحاج " كل من يطرح تأجيل الانتخابات في هذا الدور وكل من يطرح انتخابات سابقة لأوانها تشريعية ورئاسية يعطل وقوف البلاد على ساقيها ويستقوي بالوضع الاقتصادي الصعب ويستنجد بأطراف دولية من أجل استرجاع مكانته".
وتعليقا على المبادرات المطروحة لحل الأزمة التي نتجت عن تدني نسب المشاركة في الدور الأول للانتخابات التشريعية، قال بلحاج عمر "المبادرة الصحيحة هي أن نكمل الانتخابات ونُكوِّن المجلس ونطالب بحكومة جديدة فيها كفاءات سياسية وتقنية وفنية و قادرة ان تبادر وتنفذ مبادراتها وقادرة على الإشراف على حوار وطني اقتصادي واجتماعي تشخص فيه الأزمة وتبلور حلولا إنقاذية مستعجلة ومتوسطة وآجلة المدى".
وحول ملامح البرلمان الجديد بعد الدور الثاني من الانتخابات التشريعية، قال الباحث في علم الاجتماع هشام الحاجي " أعتقد أنه باعتباره برلمان أغلب أفراده حديثو العهد بالعمل السياسي وبلا أحزاب ولا منظمات، فسيصعب إيجاد كتل تلعب دور الضغط والتعديل والمبادرة التشريعية".
واستطرد قائلا: "في الدور الأول نجح لنا كمبادرة "لينتصر الشعب" 8 نواب من 23 نائبا مرشحا ولنا 62 مترشحا للدور الثاني نأمل أن يفوز أغلبهم إذا لم يفوزوا جلهم لان 40 منهم كانوا في المرتبة الأولى خلال الدور الأول".
وأضاف بلحاج عمر "نتمنى أن يكون لينتصر الشعب كتلة معتبرة ومهمة في البرلمان لتكون عنصرا من عناصر الاستقرار السياسي ومن عناصر قوته ومن عناصر الدفع إلى الإمام والخروج من الأزمة السياسية والاجتماعية..."
وتابع بلحاج عمر "هم يصطادون (الذين يتوقعون فشل المسار وعدم تكوين كتل برلمانية) كل الأخطاء الممكنة ويتمنون أن يؤدي ذلك إلى المأزق ويريدون الحديث عن فشل المسار ولو كذبا".
وقال بلحاج عمر "ستكون كتلا ربما أقل من الكتل المتصارعة والمتناحرة في البرلمان السابق وستكون هناك 3 او 4 كتل، ونودّ تكوين كتلة مهمة قادرة أن تضمن استقرارا لمؤسسات المجلس واستقرار النظام السياسي وكتلة تتفاعل مع غيرها لأنه نحن لا تقودنا فكرة تقاسم الكعكة".
وأضاف بلحاج عمر "لا نعتقد أن البلاد تتجه للمواجهة، نحن فقط نأمل تفهم رئيس الدولة للمسار وتغيير طريقة تفاعله مع الطيف الوطني والسياسي وأن يتوخى نوعا من التشاركية خاصة في التشخيص وبلورة الحلول وأيضا في تعيين المسؤولين في الدولة من الحكومة والولاة لأننا نرى أن كثيرا من التعيينات ليست موفقة".
وشدّد "نحن مع حوار سياسي يُمكِّن من طرح تعديل الدستور والقانون الانتخابي وبرأب الصدع الموجود في المجتمع."
إلاّ أنّ الحاجي بدا غير متفائل بالقول "الآن تقريبا لا نذيع سرا حين نقول أن رئيس الجمهورية يرفض كل شكل من أشكال الحوار وهذا يقوله حتى المقربين منه ومن ساندوه هناك أشخاص وأحزاب ساندته ابتعدت عنه الآن".
وأضاف "المرجح والمخيف أننا الآن أمام أزمة مركبة، سياسية اقتصادية واجتماعية في سياق دولي على غاية من الاضطراب والارتباك"
وخلص الحاجي "نحن نقطع تقريبا مع منطق الحوار ونتجه لمنطق المواجهة."
الأمين العام لحركة الشعب، المساندة لمسار 25 يوليو، زهير المغزاوي نقل عنه موقع "جقائق أون لاين "المحلي ، الأحد" أنه التقى قيس سعيد بعد صدور نتائج الدور الأول للانتخابات التشريعية وأعلمه بحصول انحرافات بشأن الشرعية الشعبية التي ارتكز عليها يوم 25 يوليو حيث بدأت تتقلص وأن نسبة المشاركة في الدور الأول للانتخابات التشريعية تترجم ذلك".
بدوره الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي، قال خلال اجتماع بمناسبة مرور 77 سنة على تأسيس الاتحاد إن ما تشهده البلاد حاليا هو "نتائج اجتماعيّة واقتصادية للتفرد بالقرار والسلطة".
وأضاف أنه "لا يمكن للأوضاع في تونس أن تسوء أكثر مما هي عليه وأنه على الجميع التحلي بالحكمة والتّخلي عن الأحقاد".
وشدد على أن "دور الاتحاد العام للشغل يكمن في التجميع وعدم التفريق"، معتبراً أن تونس "ليست مختبر تجارب للمراهقين السياسيين".
بدوره بلحاج عمر بدا حذرا من تأثيرات تأزم الأوضاع على مسار 25 يوليو بالقول "الرئيس لابد أن يعرف أن الشعب إذا رأى البرلمان ركز وأجندة الرئيس تحققت والدستور الانتخابات والاستشارة سينتظر الإنجاز".
وأضاف بلحاج عمر "الشرعية التي سيحوز عليها النظام السياسي هي شرعية الإنجاز ونحن واعون بذلك والرئيس واع بذلك ولن يتواصل صبر الشعب إلى نهاية الصيف وإذا استمرت الظروف الاقتصادية والاجتماعية غير جيدة سيكون هناك أمر آخر".
وتعاني تونس أزمة اقتصادية ومالية تفاقمت حدتها جراء تداعيات جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا، إضافة إلى اضطراب سياسي تعيشه منذ بدأ الرئيس قيس سعيد فرض إجراءات استثنائية في 25 يوليو/ تموز 2021.
وشملت أبرز هذه الإجراءات حل مجلس القضاء والبرلمان وإصدار تشريعات بمراسيم رئاسية وإقرار دستور جديد عبر استفتاء في يوليو 2022 وإجراء انتخابات تشريعية مبكرة في ديسمبر/ كانون الأول الماضي.
ويرفض عدد غير قليل من القوى السياسية والمدنية بتونس هذه الإجراءات وتعتبرها "انقلابا على الدستور"، بينما تؤيدها قوى أخرى ترى فيها "تصحيحا لمسار ثورة 2011"، التي أطاحت بحكم الرئيس بن علي.
أما سعيد، الذي بدأ في 2019 فترة رئاسية تستمر 5 سنوات، فقال إن إجراءاته "ضرورية وقانونية" لإنقاذ الدولة من "انهيار شامل".
news_share_descriptionsubscription_contact
