الرباط / الأناضول
** الفيلسوف طه عبد الرحمن في مقابلة مع الأناضول:أكد الفيلسوف والمفكر المغربي طه عبد الرحمن، أنه أيًا كانت نتيجة الحرب المدمرة التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة، فإن صمود الفلسطينيين يمثل "انتصارا"، معتبرا أن الغزيين بصمودهم المتواصل أمام آلة الحرب "قاموا بما لم يقم به أحد في التاريخ".
وعبد الرحمن (79 عاما) متخصص في المنطق وفلسفة الأخلاق، وأنتج مؤلفات عديدة، بينها "سؤال العمل ـ بحث عن الأصول العملية في الفكر والعلم"، و"العمل الديني وتجديد العقل"، و"الحق العربي في الاختلاف الفلسفي"، وحصل على جوائز عدة منها "نجيب فاضل" للثقافة نسخة 2020 ـ 2021 من تركيا.
وأضاف عبد الرحمن، في مقابلة مع الأناضول، أن "الغزيين بينوا للعالم كيف ينبغي أن يحيا من جديد.. ما يقع في غزة هو إحياء لقيم ماتت".
ويشن الجيش الإسرائيلي، منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، حربا على غزة خلّفت حتى الثلاثاء 24 ألفا و285 قتيلا، و61 ألفا و154 جريحا، معظمهم أطفال ونساء، وتسببت بنزوح نحو 1.9 مليون فلسطيني، أي أكثر من 85 بالمئة من السكان، وفقا للسلطات المحلية والأمم المتحدة.
وموجها رسالة إلى الفلسطينيين في غزة، قال عبد الرحمن إن "الصمود هو أبرز شيء، سواء بالنسبة للمدنيين أو الذين في الجبهات (المقاتلين).. بالإضافة إلى الإيمان.. وكيفما كانت نتيجة (الحرب)، فالصمود دليل على الانتصار".
وتابع: "العظماء دائما لا يكونون كتلا، بل أفرادا أو فئات قليلة، ويلحق بهم آخرون، كل على قدره واستطاعته، وتبقى القيادة دائما لطائفة مخصوصة محل عناية ربانية".
وعلى الرغم من أوضاعهم غير الإنسانية والكارثية، يرفض الفلسطينيون دعوات أطلقها وزراء إسرائيليون لتهجيرهم خارج غزة، كما تواصل فصائل المقاومة، بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على الحرب، الرد بإطلاق صواريخ على إسرائيل، بالإضافة إلى قتل ضباط وجنود إسرائيليين وتدمير آليات عسكرية خلال اشتباكات يومية داخل القطاع.
** دفاع عن النفس
مدافعا عن هجوم "طوفان الأقصى" الذي شنته حركة المقاومة الإسلامية "حماس" على إسرائيل في 7 أكتوبر الماضي، قال عبد الرحمن إن "حماس تدافع عن نفسها؛ لأن إسرائيل دولة احتلال".
وأضاف أن "المنطقة التي جرى فيها ’الطوفان’ ليست جزءا من إسرائيل التي اعترفت بها الأمم المتحدة في 1948، بل هي منطقة ضمتها إسرائيل بعد هذا التاريخ (في حرب 1967)".
وردا على "اعتداءات إسرائيلية يومية بحق الشعب الفلسطيني ومقدساته، ولا سيما المسجد الأقصى في مدينة القدس الشرقية المحتلة"، شنت "حماس" هجومها على قواعد عسكرية ومستوطنات بمحيط غزة.
وقتلت "حماس" نحو 1200 إسرائيلي وأسرت حوالي 240، بادلت قرابة 110 منهم خلال هدنة مع إسرائيل التي تحتجز في سجونها 8800 فلسطيني حتى نهاية عام 2023.
عبد الرحمن أردف: "رغم الإشادة بجنوب إفريقيا كونها تقدمت بقضية (ضد إسرائيل) لدى محكمة العدل الدولية (أعلى هيئة قضائية في الأمم المتحدة)، وهي خطوة لم يُقدم عليها أحد، فإنه يجب التأكيد أن حماس في موقع الدفاع عن النفس".
وفي 11 و12 يناير/ كانون الثاني الجاري، عقدت المحكمة في مدينة لاهاي بهولندا جلستي استماع للنظر في دعوى اتهام جنوب إفريقيا لإسرائيل بارتكاب "جرائم إبادة جماعية" بحق الفلسطينيين في غزة. وهو اتهام تنفي تل أبيب صحته.
وأضاف عبد الرحمن أن "محكمة العدل الدولية قضت بعدم أحقية إسرائيل في بناء جدار يحيط بالمستوطنات (في الضفة الغربية المحتلة)؛ وهذا يعني أن إسرائيل ليس لها الحق في الدفاع عن النفس؛ لأنها دولة احتلال".
وعام 2004، أصدرت المحكمة بناء على طلب من الأمم المتحدة، رأيا استشاريا أكدت فيه عدم قانونية إقامة جدار الفصل، وطالبت إسرائيل بإزالته ولكنها لم تستجب.
** وصاية أمريكية
وبخصوص موقف الأنظمة العربية من الحرب على غزة، قال الفيلسوف المغربي إن "موقف النظام العربي معروف، فهو تحت الوصاية الأمريكية، فلا يمكنه أن يعمل أي شيء، بالإضافة إلى الحزازات التي ظهرت بين أنظمة عربية وحماس في أوقات سابقة، وهو أمر سياسي".
ومنذ اندلاع الحرب، تقدم إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن لتل أبيب أقوى دعم عسكري ومخابراتي ودبلوماسي ممكن، ويعتبر منتقدون أن الولايات المتحدة "شريكة" في ما يقولون إنها "جرائم إبادة جماعية" ترتكبها إسرائيل في غزة، حيث يعيش نحو 2.4 مليون فلسطيني.
وبخصوص التدخل الأمريكي في المنطقة العربية، اعتبر عبد الرحمن أن "الدول العربية تدين ذلك، ولكن في الظاهر لا تقوم بشيء ضد هذا التدخل، فالنظام العربي تحت الوصاية الأمريكية".
وتابع عبد الرحمن: "الشعوب العربية قوية، ولكن الأنظمة ضعيفة.. هذه الأنظمة لا تستمد القوة من الشعوب، بل من أطراف أخرى (لم يحددها) أوجدت ظروفا وأسبابا هيمنت بها على الأنظمة التي تتعرض لابتزاز وضغوط مستمرة وتهديدات من هذه الأطراف بالكشف عن ملفات تخص الأنظمة".
ومضى قائلا إنه "رغم أن بعض الأفراد في هذه الأنظمة (العربية) يتعاطفون مع القضية الفلسطينية، فإنهم لا يقدرون على القيام بأي شيء حيالها، خاصة بشكل رسمي".
وحتى من قبل الحرب الراهنة، يعاني الفلسطينيون في غزة أوضاعا معيشية كارثية؛ جراء حصار إسرائيلي متواصل للقطاع منذ أن فازت "حماس" بالانتخابات التشريعية في عام 2006.
** موقف الحوثيين
ومنتقدا الهجمات الغربية خلال الأيام الماضية على أهداف لجماعة الحوثي في اليمن، قال عبد الرحمن إنها تؤكد أن "الولايات المتحدة مشاركة بالمطلق في الحرب على غزة وفي حماية إسرائيل".
و"تضامنا مع غزة"، استهدف الحوثيون بصواريخ ومسيّرات سفن شحن تجارية مرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر، ما ردت عليه واشنطن وعواصم حليفة لها بشن هجمات على أهداف للحوثيين خلّفت قتلى وجرحى.
وبنبرة حزينة، قال عبد الرحمن: "الإنسان الآن لا يحتاج إلى التكلم، بل للبكاء على ما آل إليه الوضع.. بكاء على أحوالنا، وليس بكاء فقط على الجرحى والقتلى في غزة، فقد أصبحنا في مقام الذلة الكبرى، والأمة لم تبق لها روح من أجل رفع الهمة".
ولكنه اعتبر أن "هذه الروح حاضرة لدى اليمن، رغم ما يُقال عن أنها (جماعة الحوثي) مدعومة من إيران، فهذه أمور ثانوية، فاليمنيون لديهم إيمان قوي، لذلك تحركوا، سواء أعانتهم إيران أم لم تعنهم".
وتابع أن "همة اليمنيين قادرة على مواجهة التحديات. والذي لا يتوفر على همة لا يمكنه فعل شيء؛ فهو مُشبع بالدنيا والمصالح الدنيوية، بينما اليمنيون تحركهم المبادئ التي يحملها أهل الآخرة وليس أهل الدنيا".
** دعم القضية الفلسطينية
وفي ما يتعلق بدعم القضية الفلسطينية، قال عبد الرحمن إن "الأفراد الذين لهم دور في القضية يتسمون بالروحانية القوية، ويعرفون مسؤولياتهم وأماناتهم".
وأردف: "على الجميع أن يدعموا القضية كل على قدره، فرغم الأمراض الملمة بي والمتراكمة، فقد عبرت عن موقفي ورأيي، فكل واحد يجب أن يساهم بما يستطيع، خاصة مَن يشعرون أنهم يحملون الأمانة ومسؤولون أمام الله تعالى والأمة".
عبد الرحمن تابع: "في المقابل، هناك مَن ليس لديه هذا الشعور.. يعيش الحياة فقط في المأكل وقضاء مصالحه وأغراضه، وليس له الهمة وهو أقرب إلى الدواب".
وشدد المفكر المغربي على أن "الإنسان الذي له الهمة يعطي للمبدأ حقه، أما فاقد الهمة فإنه فاقد للمبدأ ويعيش فقط".
news_share_descriptionsubscription_contact
