القاهرة / الأناضول
- ويضم المتحف سجادة من الصوف والقطن في نمط يُعرف باسم "سجاجيد السراي"
في قلب العاصمة المصرية القاهرة، ينتصب صرح ثقافي فريد يحمل بين جنباته كنوزا تمتد عبر قرون من التاريخ الإسلامي.
لا يقتصر تميز المبنى على طرازه المعماري اللافت، بل يتجسد في مكانته كـ"أكبر" المتاحف المتخصصة في الفن الإسلامي على مستوى العالم، إذ يضم أكثر من 100 ألف تحفة نادرة تجسد ثراء الحضارة الإسلامية وتنوعها عبر العصور، مع مجموعة بارزة من مقتنيات العصر العثماني في مصر وتركيا.
في قاعات ذلك المبنى المعروف باسم "متحف الفن الإسلامي"، تابعت عدسة الأناضول تحفا فنية تعود إلى العصر العثماني في مصر وتركيا، تعكس في بعض تفاصيلها تعاونا فنيا لافتا بين إسطنبول والقاهرة، وتزخر بعناصر إبداع وإبهار مميزة.
ويعد متحف الفن الإسلامي بالقاهرة، بحسب موقعه الإلكتروني، أكبر المتاحف المتخصصة في الفن الإسلامي في العالم، إذ يحتوي على أكثر من 100 ألف تحفة تمثل جميع فروع الفن الإسلامي في مختلف عصوره.
وتتميز مجموعاته الفنية بثرائها من حيث الكم والكيف، إذ تشتمل على مخطوطات وتحف في الطب والجراحة والأعشاب، وأدوات فلكية مثل الإسطرلابات والبوصلات والكرات الفلكية.
كما يضم تحفا في مجالات الفنون التطبيقية التي تمثل مستلزمات الحياة اليومية، من الأواني المعدنية والزجاجية والخزفية، والحلي والأسلحة والأخشاب والعاج والمنسوجات والسجاد، وغيرها.
وتضم مجموعات المتحف العديد من روائع التحف الفريدة التي تظهر ما بلغه الفنانون من ذوق رفيع ودقة فائقة في الصناعة.
ومنذ تأسيسه، كان متحف الفن الإسلامي قبلة لكبار الزوار من الملوك وعظماء العالم، وفقا للتعريف الرسمي للمتحف.
وتسلط الأناضول الضوء على 12 تحفة عثمانية تزين قاعات العرض بالمتحف، وتحمل ملامح متنوعة من الفنون الإسلامية.
من أبرز تلك المقتنيات مشربية من الخشب الخرط تعود إلى العصر العثماني في مصر خلال القرنين 16 و17 الميلاديين، وبحسب تعريف المتحف، فقد ظهر الحاجز الخشبي ذو الفتحات الذي يغلق النوافذ منذ العصر الأيوبي، ثم تطور لاحقا إلى شكل المشربيات.
وفي العصر العثماني اتخذت المشربيات شكل الشرفات البارزة، ومن أهم وظائفها تخفيف شدة الضوء وتقليل الرطوبة، وحماية الخصوصية في الغرف المطلة على الأفنية أو الشوارع، مراعاة لمبدأ الخصوصية، ومنع من في الخارج من رؤية من في داخل المنزل.
كما تضم إحدى المقتنيات تجميعة من الخزف تعود إلى العصر العثماني في القرن 18 الميلادي، وتتكون من بلاطات خزفية مرسومة بألوان متعددة تحت الطلاء الزجاجي، ومزينة بزخارف نباتية يتوسطها شكل محراب تتدلى منه مشكاة.
ويعرض المتحف أيضا مدفأة من الخشب المدهون، مزينة ببلاطات خزفية، تعود إلى العصر العثماني في مصر خلال القرن 17 الميلادي.
وبحسب تعريف المتحف، انتشرت المدافئ داخل القصور والبيوت السكنية في مصر وتركيا خلال العصر العثماني، وغالبا ما كان التصميم الزخرفي الذي يضم زخارف نباتية عثمانية ينفذ أولا في تركيا، ثم ينقل إلى مصر لينفذ على أيدي الفنانين، ما أدى إلى تشابه العديد من التحف الفنية المصنوعة في البلدين خلال تلك الفترة.
كما يضم المتحف لوحة من التجميعات الخزفية تعود إلى العصر العثماني في مصر خلال القرن 17 الميلادي.
وتمثل اللوحة منظرا للحرم المكي، مكونا من بلاطات خزفية مرسومة تحت طلاء زجاجي شفاف، حيث تتوسطها صورة للكعبة المشرفة داخل محراب يحيط به إطار من الزخارف النباتية وزهور القرنفل، فيما يزين الإطار الخارجي فرع نباتي تتدلى منه ثمار الرمان.
وكانت هذه اللوحات، بحسب تعريف المتحف، تزين جدار القبلة في المساجد العثمانية، وغالبا ما كانت تكتب عليها آيات قرآنية مرتبطة بالتوجه إلى البيت الحرام.
وتضم مقتنيات المتحف أيضا نافذتين من الجص المعشق بالزجاج الملون، تعودان إلى العصر العثماني في مصر خلال القرنين 17 و18 الميلاديين.
وبرع المسلمون في توظيف انعكاسات الضوء لإضفاء أجواء جمالية على المنشآت، ويعد من أبرز مظاهر ذلك استخدام النوافذ الجصية المعشقة بالزجاج الملون بألوان مختلفة، لما تمنحه من بهجة وراحة بصرية. وتحمل النافذتان كتابات دينية ودعائية نصها: "نصر من الله" و"فتح قريب".
ويضم المتحف كذلك سجادة من الصوف والقطن تعود إلى العصر العثماني في مصر خلال القرن 16 الميلادي، ويعرف هذا النمط باسم "سجاجيد السراي" أو "سجاجيد القصر"، وهو طراز غير تقليدي في زخرفة السجاد العثماني.
وزخرفت ساحة السجادة برسوم نباتية متداخلة، وأحيطت بثلاثة إطارات أكبرها الأوسط، وتنتهي بشراريب من الأعلى والأسفل.
وبحسب تعريف المتحف، تختلف استخدامات السجاد الإسلامي بحسب مساحته وزخرفته، وقد صنعت هذه السجادة للافتراش وتغطية أرضيات القصور والمنازل، كما تشابهت زخارفها مع البلاطات الخزفية العثمانية في الفترة ذاتها.
كما تضم المقتنيات سجادة صلاة من الصوف والقطن تعود إلى القرن 18 الميلادي، وتنسب إلى مدينة قولا التركية، وسمي هذا الطراز بسجاجيد الصلاة لوجود شكل محراب يتوسط ساحة السجادة.
ويعرض المتحف أيضا صفحات من مخطوط "الأدوية المفردة" للغافقي، التي تعود إلى العصر العثماني في تركيا خلال القرن 16 الميلادي. وكان الغافقي طبيبا عاش في الأندلس خلال القرن 12 الميلادي.
ومن بين المعروضات أيضا ساعتان رمليتان من الزجاج تعودان إلى العصر العثماني في مصر خلال القرن 16 الميلادي.
كما تضم المقتنيات شاهد قبر من الرخام يعود إلى العصر العثماني في مصر في القرن 18 الميلادي، ويتكون من 3 أجزاء، يحمل أحد جوانبه كتابات بخط الثلث تتضمن الشهادة والآية القرآنية: "كل من عليها فان".
وتبرز كذلك "طاسات الخضة" المصنوعة من النحاس والبرونز، والمنقوشة بطلاسم وكتابات تشير إلى فوائدها العلاجية، وتعود إلى مصر وإيران وتركيا خلال الفترة من القرن 12 حتى القرن 18 الميلادي.
كما تعرض القاعة سجادتي صلاة من الصوف والقطن تعودان إلى العصر العثماني في تركيا في القرن 18 الميلادي، وتنسبان إلى مدينة جورديز التركية.
وبحسب البطاقة التعريفية، تميزت المدن التركية بصناعة سجاجيد الصلاة، وكان لكل مدينة طرازها الخاص في تصميم المحاريب، كما عرفت تركيا نوعا آخر يسمى "سجاجيد الصف"، يتميز برسم مجموعة من المحاريب المتجاورة لاستخدامها في صلاة الجماعة.
وتضم المقتنيات أيضا لوحة خزفية مرسومة تحت الطلاء الزجاجي، تعود إلى العصر العثماني في تركيا خلال القرن 18 الميلادي، وتشتمل على رسم للمسجد النبوي الشريف وما يضمه من مدافن تعلوها القباب.
وبحسب بيانات وزارة السياحة والآثار المصرية، بدأت فكرة تجميع وعرض التحف الإسلامية في متحف عام 1880، ثم افتتح المبنى رسميا عام 1903 في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني. وصممت واجهته على طراز العمارة المملوكية، ويقع بجوار مبنى دار الكتب القومية.
وتضرر المتحف إثر تفجير مديرية أمن القاهرة عام 2014، قبل أن يخضع لأعمال ترميم وتجديد شاملة ويعاد افتتاحه عام 2017.
ويتكون المتحف من طابقين، ويضم واحدة من أكبر مجموعات التحف الإسلامية من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، بما يتيح للزائر التجول عبر مراحل التاريخ الإسلامي المختلفة. ومن أبرز كنوزه مفتاح الكعبة المشرفة من العصر المملوكي، وقطعة نسيج تحمل أقدم كتابة كوفية.
وبين جنبات هذه المقتنيات، تبقى زيارة متحف الفن الإسلامي في قلب القاهرة رحلة تاريخية تجمع بين الفن والحضارة والدهشة، وتترك لدى الزائر تجربة لا تنسى.
news_share_descriptionsubscription_contact
