إسطنبول/ الأناضول
المحلل البريطاني الإسرائيلي دانيال ليفي للأناضول:
- ناخبون من مختلف التوجهات باتوا يتساءلون عما إذا كانت العلاقة مع إسرائيل تخدم الولايات المتحدة
- التراجع يمتد إلى الجمهوريين والشباب ويضغط حتى على جماعات الضغط التقليدية المؤيدة لإسرائيل
- تغيير الحكومة الإسرائيلية في الانتخابات المقبلة قد يولد ارتياحا مؤقتا دون تغيير سياسات الاحتلال والاستيطان
- 3 سيناريوهات للدعم الأمريكي الرسمي لتل أبيب هي: الاستمرار أو القطيعة أو أن يتراجع نفوذ واشنطن فتترك إسرائيل في "عزلة متزايدة"
يتآكل التأييد الشعبي الأمريكي التقليدي لإسرائيل على وقع حرب الإبادة الجماعية التي تشنها في قطاع غزة منذ 3 سنوات، فيما بات الدعم الرسمي أمام 3 سيناريوهات، وفق محلل.
وتظهر استطلاعات رأي عديدة وصول النظرة السلبية تجاه إسرائيل إلى مستويات تاريخية بين مختلف فئات الناخبين.
وقال المحلل البريطاني الإسرائيلي دانيال ليفي، رئيس منظمة "مشروع الولايات المتحدة/الشرق الأوسط" (غير ربحية مقرها نيويورك)، للأناضول إن "ما نشهده في الولايات المتحدة أمر غير مسبوق".
وأضاف أن الناخبين، من مختلف التوجهات الأيديولوجية، باتوا "يتساءلون عما إذا كانت هذه العلاقة (الدعم) تخدم أمريكا ودافعي الضرائب الأمريكيين والأمن القومي الأمريكي".
ورأى أن التمويل الواسع للحملات الانتخابية، وجماعات الضغط المؤسسية، وتركز ملكية وسائل الإعلام، أسهمت في عزل المشرعين عن التحول الجاري في المزاج الشعبي تجاه إسرائيل.
وتابع أن هذا التباين يثير تساؤلات جوهرية بشأن قدرة واشنطن على مواصلة سياسات تتعارض مع الاتجاه العام للرأي العام الأمريكي.
وقدمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة دعما عسكريا وماليا ودبلوماسيا لإسرائيل، ووفرت لها حماية من المساءلة في مجلس الأمن الدولي عبر استخدام سلطة النقض (الفيتو).
وبدعم أمريكي، تشن إسرائيل منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 حرب إبادة جماعية بغزة، ما خلف أكثر من 74 ألف قتيل فلسطيني وما يزيد على 175 ألف جريح، معظمهم أطفال ونساء.
وشدد ليفي على أن حكومة حزب العمال السابقة في المملكة المتحدة برئاسة كير ستارمر (2024-2026) فقدت الدعم بعدما تجاهل قادتها مواقف الناخبين الداعمة لغزة وحقوق الفلسطينيين.
ورأى أن التحول الذي أوصل آندي بيرنهام (رئيس الوزراء البريطاني) وإد ميليباند (وزير الخارجية) إلى السلطة قد يتكرر في واشنطن.
وفي مارس/آذار الماضي، أظهر استطلاع أجراه مركز "بيو" للأبحاث أن 60 بالمئة من البالغين الأمريكيين لديهم نظرة سلبية تجاه إسرائيل، ارتفاعا من 53 بالمئة عام 2025 و42 بالمئة عام 2022.
وكشف أن 59 بالمئة لديهم ثقة ضئيلة أو معدومة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة.
وأظهر استطلاع لكلية الحقوق بجامعة ماركيت في سبتمبر/ أيلول الماضي أن النظرة الإيجابية تجاه إسرائيل تشهد تراجعا منذ 20 شهرا.
كما أظهر أن 59 بالمئة ينظرون إلى إسرائيل بصورة سلبية، فيما رأى 55 بالمئة أن واشنطن تقدم لها مساعدات عسكرية أكثر مما ينبغي.
وسلك التأييد العام لحرب إسرائيل على غزة المسار التنازلي ذاته، إذ سجلت مؤسسة "غالوب" في 2025 أدنى مستوى للتأييد في الولايات المتحدة عند 32 بالمئة، مقابل 60 بالمئة أعربوا عن رفضهم لها.
وفي استطلاع أجرته "غالوب" في فبراير/شباط الماضي، تقدمت نسبة المتعاطفين مع الفلسطينيين على المتعاطفين مع الإسرائيليين للمرة الأولى، بواقع 41 بالمئة مقابل 36 بالمئة.
كذلك أظهر استطلاع أجرته "إيكونوميست/يوغوف" في سبتمبر أن 26 بالمئة من الأمريكيين قالوا إنهم أكثر تعاطفا مع الإسرائيليين، مقابل 25 بالمئة قالوا إنهم أكثر تعاطفا مع الفلسطينيين، وهو أضيق فارق تسجله "يوغوف" في هذا السؤال.
وكشف استطلاع لوكالة "أسوشيتد برس" ومركز "نورك"، في يونيو/حزيران الماضي، أن 31 بالمئة من البالغين الأمريكيين يعتبرون حرب إسرائيل في غزة "إبادة جماعية"، بينما قال اثنان فقط من كل 10 إنها لا ترقى إلى مستوى الإبادة.
وتنظر محكمة العدل الدولية، وهي الجهاز القضائي الرئيس للأمم المتحدة، في دعوى قدمتها جنوب إفريقيا، وانضمت إليها دول عديدة، تتهم إسرائيل بارتكاب جريمة إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غزة.
ودفعت هذه الاتجاهات المتغيرة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت إلى الإقرار بوجود تحول في الرأي العام.
ففي مقال نشره بمجلة "تايم" في يوليو/تموز الماضي، حذر بينيت من "اتجاه مقلق في الرأي العام، خصوصا بين الأمريكيين الأصغر سنا".
وقال بينيت، في تصريح منفصل، إن إسرائيل أصبحت "مرتبطة الآن بالإبادة الجماعية وقتل الأطفال"، مثلما ترتبط إيطاليا بـ"المعكرونة والسباغيتي".
وبحسب ليفي، فإن إسرائيل، في مواجهة تراجع الدعم الشعبي الأمريكي وعجزها عن "تبرير أفعالها"، تشبثت باتهامات بما تعتبره "معاداة السامية" عبر توسيع هذا المصطلح، لكن كثيرا من اليهود "لا يقتنعون بذلك".
وقال إن "المواقف بشأن إسرائيل وفلسطين أصبحت بمثابة اختبار مركزي تقريبا للمصداقية: هل يمكنني (كناخب) الوثوق بسياسي؟".
وأضاف: "إذا لم تتمكن من اتخاذ الموقف الصحيح بشأن هذه القضية (فلسطين)، فكيف يمكننا أن نثق بك في أي شيء آخر؟".
وأدى تآكل الدعم لإسرائيل إلى ظهور انقسامات كبيرة داخل الحزب الجمهوري الأمريكي، ما يشكل تحديا لتوجه ساد لعقود.
وأظهر استطلاع لـ"بيو" أن 57 بالمئة من الجمهوريين، الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عاما، باتوا ينظرون إلى إسرائيل بصورة سلبية.
وتمثل هذه النسبة مؤشرا على تنامي توجه داخل حركة "أمريكا أولا" يعارض الإنفاق الخارجي والانخراط في النزاعات العسكرية الدولية.
كما وجهت شخصيات جمهورية محافظة بارزة انتقادات مباشرة للعلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
وانتقد نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس علنا مسؤولين إسرائيليين في مناسبات عدة، بسبب معارضتهم الاتفاق المؤقت الذي أبرمته إدارة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب مع إيران، وكذلك بسبب العدوان الإسرائيلي على لبنان.
واعتبر المعلق الإعلامي تاكر كارلسون أن ترامب أصبح "رهينة" تحت "السيطرة الكاملة" لنتنياهو، واصفا هذه العلاقة بأنها "عبودية".
وشككت النائبة السابقة مارجوري تايلور غرين في أولويات المساعدات الخارجية، معتبرة إياها عبئا على أموال دافعي الضرائب.
فيما قدم النائب الجمهوري توماس ماسي، في يوليو/تموز الماضي، تعديلا تشريعيا لإلغاء جميع المساعدات الأمريكية لإسرائيل.
وأدت تلك التحولات إلى تغيير ديناميكيات جماعات الضغط التقليدية.
ففي ولاية ميشيغان، طلب مرشح الحزب الجمهوري لمجلس الشيوخ مايك روجرز من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية "أيباك" الامتناع عن بث إعلانات أو القيام بحملات علنية لدعمه في مواجهة المرشح الديمقراطي عبدول السيد.
وعلق ليفي بأن "حصول المرشح على تأييد اللوبي الإسرائيلي تحول من نعمة إلى نقمة".
وتابع: "الآن ما نراه بشكل متزايد هو استخدام أموال داعمة لإسرائيل في حملات لا تُذكر فيها إسرائيل".
ورغم أن تراجع الدعم لإسرائيل يمتد عبر مختلف الفئات الديموغرافية، فإن التغير يبدو أكثر وضوحا بين الأمريكيين الأصغر سنا.
وقال ليفي إن "التحول أكثر حدة وأكثر لفتا للانتباه عند النظر إلى الفئات العمرية"، نتيجة لقنوات الأخبار التي يعتمد عليها الشباب.
وأردف أن الجمهور الأصغر سنا يتجاوز وسائل الإعلام التقليدية، التي يرى أنها تحمل تحيزات متأصلة وعرضة للضغوط التجارية والسياسية.
وتعكس استطلاعات الرأي هذا التفاوت الواضح بين الأجيال، إذ أظهر استطلاع لـ"غالوب" أن نسبة تأييد الحرب الإسرائيلية انخفضت إلى 9 بالمئة فقط بين البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاما.
كما كشف استطلاع لـ"بيو"، في مايو/أيار الماضي، أن 58 بالمئة من البالغين دون سن الثلاثين لديهم نظرة إيجابية تجاه الفلسطينيين.
وأظهر استطلاع الشباب لربيع 2026، الذي أجرته جامعة هارفارد، أن 46 بالمئة من الأمريكيين (بين 18 و29 عاما) يعتبرون العلاقات مع إسرائيل عبئا، مقابل 16 بالمئة يرون أنها تمثل فائدة.
وأوضح ليفي أن هذا التغير "لا يقتصر على الجانب الديمقراطي، إذ حدث تحول حقيقي في الجانب الجمهوري، وحتى داخل المجتمع المسيحي الإنجيلي"، الذي شكل لفترة طويلة إحدى الركائز الأساسية للدعم الأمريكي لإسرائيل.
وأشعل رد الفعل المتنامي بين الشباب ضد الإبادة بغزة موجة واسعة من الاحتجاجات الجامعية في 2024، بدأت بمخيمات طلابية في جامعة كولومبيا، قبل أن تمتد سريعا إلى أكثر من 130 مؤسسة تعليمية في أنحاء الولايات المتحدة.
وأدت مداهمات الشرطة وقرارات تعليق الدراسة والضغوط التي مارسها المانحون لاحقا إلى زيادة الربط بين الجدل حول السياسة الخارجية وقضايا حرية التعبير داخل الولايات المتحدة.
ورفض ليفي الرواية السائدة التي تعزو تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل حصرا إلى أنه رد فعل على نتنياهو ووزراء اليمين المتطرف، مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.
ووصف الحالة الراهنة بأنها "ذات طبيعة بنيوية عميقة".
وقال إن أطرافا داخل الشبكة المؤيدة لإسرائيل تعمل على الدفع برواية مناهضة لنتنياهو بهدف الحفاظ على العلاقات الثنائية الأوسع.
ويرى ليفي أنه عبر تحميل القيادة الحالية وحدها المسؤولية، يأمل المدافعون عن إسرائيل أن تتيح هزيمة نتنياهو في الانتخابات المقبلة لهم أن يقولوا: "رحل نتنياهو! حُلت المشكلة"، ومن ثم هندسة "شهر عسل" دبلوماسي جديد مع الرأي العام الأمريكي.
وتشهد إسرائيل في 27 أكتوبر/تشرين الأول الجاري انتخابات عامة، وتُظهر استطلاعات الرأي تقدما طفيفا لتكتل المعارضة اليهودية على معسكر نتنياهو، دون أغلبية تتيح تشكيل حكومة.
غير أن ليفي شدد على أن السياسات البنيوية تتجاوز الأشخاص إلى حد بعيد.
ودلل على ذلك بأنه لا يوجد أي حزب صهيوني يخوض الانتخابات المقبلة ويتحدث عن "إقامة دولة فلسطينية، أو إنهاء الاحتلال، أو الانسحاب، أو وقف الاستيطان".
وفي عام 1948، أُقيمت إسرائيل على أراض احتلتها عصابات صهيونية مسلحة ارتكبت مجازر وهجرت ما لا يقل عن 750 ألف فلسطيني، ثم احتلت تل أبيب بقية الأراضي الفلسطينية، وترفض الانسحاب وقيام الدولة الفلسطينية المنصوص عليها في قرارات أممية.
وحذر ليفي من أن تغيير الحكومة قد يولد شعورا مؤقتا بالارتياح في العواصم الغربية، لكن السياسات الجوهرية المتعلقة بالاحتلال واستخدام القوة العسكرية ستستمر دون تغيير في غياب ضغوط خارجية.
وحدد ثلاثة سيناريوهات محتملة هي: "استمرار الدعم لإسرائيل رغم تراجع التأييد الشعبي، أو حدوث قطيعة حاسمة تجعل الإدارات الأمريكية المقبلة أقل دعما لها".
أما المسار الثالث فهو "انخراط أمريكي أعمق في صراعات المنطقة، بما يسرع تراجع النفوذ الأمريكي ويترك إسرائيل في عزلة متزايدة"، وفق ليفي.
والأحد، توقع زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" اليميني الإسرائيلي المعارض أفيغدور ليبرمان أن يبادر الرئيس الأمريكي المقبل إلى الاعتراف بدولة فلسطين وطرح قرار في مجلس الأمن يمنحها العضوية الكاملة بالأمم المتحدة.
واعتبر وزير الدفاع الأسبق أن "الاعتراف بدولة فلسطينية أمر حتمي نظرا لتآكل الدعم لإسرائيل في أوساط الرأي العام الأمريكي؛ فهناك قاعدة سياسية راسخة: بمجرد فقدان الدعم الشعبي، يُفقد الدعم السياسي".
وختم ليفي بالتشديد على أن "التطرف الإسرائيلي سيرتد يوما ما بقسوة شديدة على إسرائيل".
news_share_descriptionsubscription_contact
contact_the_ombudsman
is_there_an_error_in_this_story
