غزة/ رمزي محمود/ الأناضول
- منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار زحف الجيش الإسرائيلي تدريجيا من "الخط الأصفر" داخل قطاع غزة والذي انسحب إليه بموجب الاتفاق إلى مناطق أكثر عمقا
- القيادي في حماس باسم نعيم للأناضول: إسرائيل أزاحت "الخط الأصفر" باتجاه المناطق الغربية، بمساحة إضافية تُقدّر بنحو 8 إلى 9 بالمئة، ما يرفع إجمالي المساحة التي بات يسيطر عليها الجيش إلى أكثر من 60 بالمئة من القطاع.
بعد نحو 200 يوم على سريان اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام واقع ميداني وأمني متغير، في ظل توسيع الجيش الإسرائيلي نطاق سيطرته الجغرافية داخل القطاع، بدلا من الانسحاب منها.
ويبرز هذا التحول من خلال استحداث ما بات يُعرف بـ"الخط البرتقالي"، الذي يتجاوز "الخط الأصفر" الذي نص عليه اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025.
وبموجب الاتفاق، فإن "الخط الأصفر"، يفصل بين مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي شرقا، والمناطق التي يُسمح للفلسطينيين بالتواجد فيها غربا، ويغطي نحو 53 بالمئة من مساحة القطاع.
لكن إسرائيل لم تلتزم بذلك، وزحفت تدريجيا من الخط الأصفر إلى مناطق جديدة في عمق القطاع، في مساحة أطلق عليها مؤخرا اسم "الخط البرتقالي".
وفي تصريح للأناضول، قال القيادي في حركة حماس باسم نعيم، إن إسرائيل أزاحت "الخط الأصفر" باتجاه المناطق الغربية، بمساحة إضافية تُقدّر بنحو 8 إلى 9 بالمئة، ما يرفع إجمالي المساحة التي بات يسيطر عليها الجيش إلى أكثر من 60 بالمئة من القطاع.
**قلق أممي
والجمعة، قال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، إن إسرائيل وسعت من احتلالها في قطاع غزة عبر إنشائها ما يسمى بـ "الخط البرتقالي"، داخل "الخط الأصفر" الذي انسحبت إليه في إطار المرحلة الأولى من خطة إنهاء الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2025.
وأضاف دوجاريك، في تصريح سابق للأناضول، أن لدى المنظمة خرائط تضم خطا ملونا آخر يُسمّى "الخط البرتقالي"، تم تقديمه للكوادر الأممية النشطة في مجال المساعدات الإنسانية.
وأوضح أنه تم إبلاغ الأمم المتحدة بضرورة قيام فرق المساعدات الإنسانية بتنسيق تحركاتهم مسبقا مع إسرائيل عند تجاوز "الخط البرتقالي".
وأردف: هذا الطلب يعد أيضا مؤشرا على أن المناطق التي تعتبر غير آمنة بالنسبة لنا تبعث على القلق".
كما عدّ المتحدث الأممي ذلك، "مؤشرا، على أن الأمور لا تسير في الاتجاه الصحيح".
**كيف تشكّل "الخط البرتقالي"؟
لم يكن الإعلان عن "الخط البرتقالي" وليد اللحظة، بل جاء نتاج جملة من الإجراءات الميدانية الإسرائيلية على مدى الشهور الماضية، والتي فرضت واقعا جديدا على امتداد قطاع غزة تجاوز حدود "الخط الأصفر".
و"الخط الأصفر" افتراضي داخل القطاع، انسحب إليه الجيش الإسرائيلي مؤقتا بموجب اتفاق وقف النار، على أن ينفذ الجيش انسحابات أخرى لاحقا.
وحُدد "الخط الأصفر" في حينه، بمكعبات إسمنتية مطلية باللون الأصفر، لكن شهود عيان ومصادر محلية، أكدوا في أوقات سابقة، أن الجيش الإسرائيلي ومنذ سريان الاتفاق، يعمل على إزاحة هذه المكعبات إلى أماكن أكثر عمقا داخل أراضي القطاع، تحت غطاء عمليات حفر وتجريف واسعة.
ودفع هذا الخرق المتكرر للاتفاق عشرات العائلات الفلسطينية إلى ترك منازلها وخيامها والنزوح غربا، وخصوصا في مدينة خان يونس (جنوب)، وشرق حي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة (شمال)، وفي بلدة جباليا (شمال).
ترافق الزحف الإسرائيلي في عمق القطاع، مع غارات جوية ومدفعية وإطلاق عشوائي للنار ما أسفر عن مقتل وإصابة عشرات الفلسطينيين، بزعم اجتيازهم "الخط الأصفر" أو اقترابهم منه.
**"مساعٍ لإفشال الاتفاق
من جانبها، نددت حركة حماس، بإزاحة إسرائيل ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" إلى عمق المناطق الغربية في عدة مواقع بقطاع غزة.
وقالت حماس، في بيان، الجمعة، إن "الخروقات اليومية التي يرتكبها الاحتلال، وقتله المئات من الأطفال والنساء والمدنيين، وتعميقه الكارثة الإنسانية عبر إحكام الحصار وسياسة التجويع، واستمرار إغلاق معبر رفح أو فتحه شكليًا، وتحريك ما يُسمّى بالخط الأصفر غربا في العديد من المواقع، وغيرها من الانتهاكات؛ تمثّل دليلًا واضحًا على تنكّر حكومة مجرم الحرب نتنياهو لجهود الوسطاء، وسعيها للتنصّل من الاتفاق وإفشاله".
وفي مذكرة أصدرتها في 20 يناير/ كانون الثاني الماضي، اعتبرت حماس، أن إسرائيل "أخلّت بصورة واضحة وممنهجة بخرائط الانسحاب المتفق عليها، عبر تجاوز الخط الأصفر بمسافات تراوحت بين 200 و1300 متراً".
وأضافت أن إسرائيل فرضت نطاقات سيطرة نارية إضافية بعمق وصل في بعض المناطق إلى 1700 مترا إضافية، خصوصا في شمال غزة.
وتابعت حماس: "بلغت مساحة السيطرة النارية الإضافية المفروضة بعد الخط الأصفر نحو 34 كيلومترا مربعا"، وهو ما اعتبرته "انتهاكا صارخا للاتفاق، ونسفا فعليا لمبدأ إعادة الانتشار والانسحاب التدريجي المنصوص عليه".
وأوضحت الحركة، أن إسرائيل "تسعى بشكل واضح لفرض واقع جغرافي وأمني وسكاني جديد، يتعارض جوهريا مع نص الاتفاق وروحه، ويُقوض فرص الاستقرار وعودة السكان".
**إعادة تشكيل حياة الفلسطينيين
وبموجب "الخط الأصفر" جرى حصر الفلسطينيين في 47 بالمئة من مساحة غزة، ومع "الخط البرتقالي" الجديد، تصبح 8-9 بالمئة إضافية من أراضيهم تحت الاحتلال الإسرائيلي، ما يعني حصرهم في مساحة تقدر بنحو 38 بالمئة فقط من القطاع.
وتبعث الإجراءات الإسرائيلية مزيدا من المخاوف لدى الفلسطينيين الذين يعيشون بالقرب من تلك المنطقة، ويتعرضون لإطلاق نار وقصف مدفعي ومن المسيرات، ما يوقع قتلى وجرحى في صفوفهم بشكل شبه يومي.
وبذلك، تعيد الخطوط الملونة الإسرائيلية تشكيل حياة أكثر من مليوني فلسطيني، وتفرض واقعا أمنيا وجغرافيا تتقلص فيه مساحة الحياة أمامهم، ويحشرون في مناطق أكثر ضيقا وسط ظروف أشدّ كارثية.
**"حدود دائمة" من منظور إسرائيلي
تشكل تلك الإجراءات هاجسا لدى الفلسطينيين باحتمال احتفاظ إسرائيل بالمناطق التي تحتلها بشكل دائم، في ظل سعيها لفرض واقع أمني وسياسي جديد بعد حرب الإبادة على القطاع.
ويرى مراقبون أن الإجراءات الميدانية المتسارعة، تأتي ضمن خطط أمنية وعملياتية أقرتها المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، دون الأخذ بالاعتبار مسار المباحثات السياسية.
وما يعزز تلك الفرضيات، تصريحات عدد من المسؤولين السياسيين والعسكريين في إسرائيل، الذين يرون في "الخط الأصفر" حدودا دائمة لدولة إسرائيل.
ففي مطلع يناير/ كانون الثاني الماضي، قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، إن "الخط الأصفر" هو الحدود الجديدة لإسرائيل مع قطاع غزة.
وأضاف زامير، في بيان أصدره الجيش الإسرائيلي: "الخط الأصفر يشكل خط حدود جديد، وخط دفاع متقدم للمستوطنات، وقاعدة عسكرية لتنفيذ هجمات سريعة".
ومنتصف فبراير/ شباط الماضي، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، أن الجيش سيبقى في مناطق "الخط الأصفر" بغزة، و"لن يتحرك منها بمليمتر واحد حتى يتم نزع سلاح حركة حماس"، على حد قوله.
وفي 31 مارس/ آذار الماضي، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أن أكثر من نصف أراضي قطاع غزة باتت "تحت السيطرة الإسرائيلية"، مضيفًا "نحن من يهاجم ويبادر، ونحن من يفاجئ أعداءنا".
**إجراءات ميدانية متسارعة وجمود سياسي
وبينما تسابق إسرائيل الوقت في إجراءاتها الميدانية لفرض وقائع جديدة على الأرض، تتعثر المساعي السياسية الهادفة للمضي قدماً في اتفاق وقف إطلاق النار وفق خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
فخلال الأسابيع الماضية، جرت مباحثات مكثفة في العاصمة المصرية القاهرة برعاية أمريكية، لكنها لم تسفر، عن تقدم ملحوظ يأذن بالعبور نحو المرحلة الثانية من الاتفاق، رغم الإعلان الأمريكي عن بدئها منتصف يناير الماضي.
ووفق مصادر عديدة، تصطدم المباحثات باشتراط إسرائيلي لنزع سلاح حركة "حماس" والفصائل الفلسطينية قبل الانتقال للمرحلة الثانية، بينما ترى الحركة أن على إسرائيل دفع استحقاقات المرحلة الأولى قبل طرحها قضية السلاح.
وجرى التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار، بعد عامين من إبادة جماعية بدأتها إسرائيل في 8 أكتوبر 2023 بدعم أمريكي، وخلفت أكثر من 72 ألف قتيل فلسطيني وأكثر من 172 ألف مصاب، إضافة إلى دمار هائل طال 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية بتكلفة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.
news_share_descriptionsubscription_contact
