أنقرة/ طوغبة ألتون/ الأناضول
* السفير المصري لدى أنقرة وائل بدوي للأناضول:
- القاهرة وأنقرة تتفقان على ضرورة تطبيق حل الدولتين وترفضان أي محاولات لتهجير الفلسطينيين من أرضهم
- مصر تدعو إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوب لبنان ومن الأراضي السورية واحترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها
- الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران يجب أن تُحل بالدبلوماسية وتنفيذ التفاهمات القائمة
- مصر وتركيا تبحثان تعزيز التعاون بمجال الدفاع إلى جانب توسيع الشراكة الاقتصادية والعلمية والتعليمية
قال سفير القاهرة لدى أنقرة وائل بدوي إن مصر وتركيا ترتبطان بشراكة استراتيجية، وإن البلدين يؤديان دورا مهما على المستويين الإقليمي والدولي، ويعملان معا في مختلف المجالات من أجل دعم الاستقرار والسلام في المنطقة.
وفي مقابلة مع الأناضول، تناول بدوي العلاقات الثنائية بين القاهرة وأنقرة، والتطورات الإقليمية، وتجربته منذ توليه مهامه الدبلوماسية في تركيا، إضافة إلى انطباعاته عن الحياة فيها.
وقال السفير المصري إنه وصل إلى تركيا في سبتمبر/ أيلول 2025، موضحا أن التعاون بين البلدين يشمل طيفا واسعا من المجالات، ولا يقتصر على القضايا السياسية المرتبطة بقطاع غزة أو إيران، بل يمتد أيضا إلى مجالات البيئة والثقافة والاقتصاد وغيرها.
وأضاف أن مصر وتركيا احتفلتا العام الماضي بمرور مئة عام على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، مشيرا إلى أن الروابط بين البلدين تمتد في الواقع إلى قرون طويلة، وأن العلاقات بين الشعبين ما زالت قوية ومتينة.
ولفت إلى أن حجم التعاون القائم بين القاهرة وأنقرة يفرض متابعة عدد كبير من الملفات، إلى جانب وتيرة الزيارات المتبادلة على مستوى كبار المسؤولين في البلدين.
وأشار إلى زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر في 4 فبراير/ شباط 2026 ولقائه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، حيث عُقد الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين، وأسفر عن توقيع عدد من مذكرات التفاهم في مجالات مختلفة.
وأكد أن هذه الخطوة تعكس طبيعة العلاقات الاستراتيجية بين مصر وتركيا، وتشكل رمزا للشراكة القائمة بينهما ودليلا على قوة العلاقات الثنائية.
وأشار بدوي إلى زيارة القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع والإنتاج الحربي المصري الفريق أشرف سالم زاهر، إلى أنقرة الأسبوع الماضي، في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز التعاون بين البلدين في مجالي الدفاع والصناعات الدفاعية.
وقال: "لدى تركيا صناعة دفاعية متقدمة، كما تمتلك مصر أيضا صناعة دفاعية متطورة، ولذلك نعمل على بحث الكيفية التي يمكن للبلدين من خلالها تعزيز التعاون في هذا المجال".
وأضاف أن القاهرة وأنقرة تسعيان كذلك إلى توسيع التعاون في مجالات البيئة والتجارة والتعليم والبحث العلمي.
وأوضح أن المرحلة المقبلة ستشهد تنظيم المزيد من الزيارات رفيعة المستوى، بما يسهم في تحويل التعاون القائم إلى مشاريع عملية وملموسة في مختلف القطاعات.
وشدد السفير المصري على أهمية التعاون الإقليمي بين البلدين باعتبارهما من أبرز الفاعلين في المنطقة، قائلا: "مصر وتركيا تعملان معا من أجل تحقيق الاستقرار والسلام في المنطقة".
وأضاف أن البلدين يشتركان في دعم السلام والتنمية الشاملة والمستدامة واحترام القانون الدولي، مؤكدا أن توفير بيئة يسودها الأمن والاستقرار يمثل شرطا أساسيا للتركيز على التنمية وتحقيق الازدهار لشعوب المنطقة.
وتحدث عن المنصة التي تضم مصر وتركيا والسعودية وباكستان، موضحا أن هدفها يتمثل في بحث سبل التعاون المشترك بما يخدم شعوب المنطقة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
كما أشار إلى أن التعاون بين القاهرة وأنقرة لا يقتصر على ملف قطاع غزة، بل يشمل القضية الفلسطينية بصورة عامة.
وقال: "لقد شهدنا أيضا، منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول 2023)، ما تعرض له الفلسطينيون من معاناة وانتهاكات، وما جرى كان بالفعل مأساة".
وأضاف أن التعاون بين مصر وتركيا لا يقتصر على الإطار الثنائي، بل يمتد أيضا إلى الأطر الإقليمية، معتبرا أن هذا الأمر يكتسب أهمية كبيرة، لافتا في الوقت ذاته إلى أن البلدين يتقاسمان الاهتمام ذاته بالقيم الثقافية والاجتماعية والأسرية.
وأكد بدوي أن القاهرة وأنقرة تتفقان على ضرورة التوصل إلى حل الدولتين باعتباره "السبيل لتحقيق سلام عادل ودائم" في فلسطين.
وقال: "كلانا يرفض أي محاولة لتهجير الفلسطينيين من أرضهم. هذه أرضهم، ويجب إعادة تأهيل المستشفيات والمدارس، كما ينبغي إطلاق جهود إعادة الإعمار".
وأشار إلى خطة السلام الخاصة بقطاع غزة التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مؤكدا أن مصر وتركيا ستواصلان العمل معا دعما لتنفيذ هذه الخطة.
وأوضح أن الخطة لا تزال في مرحلتها الأولى، معربا عن تطلع بلاده إلى الانتقال إلى المرحلة الثانية.
وأضاف: "لا يزال يتعين على إسرائيل الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالمرحلة الأولى حتى نتمكن من الانتقال إلى المرحلة الثانية".
وبوساطة مصر وقطر وتركيا ورعاية أمريكية، بدأ سريان اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة في 10 أكتوبر 2025، ضمن خطة تتضمن مرحلتين، لإنهاء حرب الإبادة الإسرائيلية التي استمرت عامين.
وتشمل المرحلة الثانية من الاتفاق انسحاب أوسع للجيش الإسرائيلي من غزة، وإعادة الإعمار، مقابل بدء نزع سلاح الفصائل، وهو ما لم تنفذه إسرائيل، وتصر على نزع السلاح أولا.
وتطرق السفير المصري إلى التطورات في لبنان، مشيرا إلى استمرار الانتهاكات والهجمات الإسرائيلية هناك.
وقال: "نؤكد ضرورة انسحاب إسرائيل الكامل من جنوب لبنان".
وفي 26 يونيو/ حزيران 2026، وقع لبنان وإسرائيل على "اتفاق إطار" ينص على انسحاب إسرائيلي متدرج من أراضي لبنان، يبدأ بتطبيق نموذج في مناطق تجريبية، على أن يتولى الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية في تلك المناطق، إلى جانب نزع سلاح الجماعات المسلحة، في إشارة إلى "حزب الله".
وفيما يتعلق بالهجمات الإسرائيلية على الأراضي السورية، شدد السفير المصري على موقف بلاده الرافض لهذه العمليات.
وقال: "ندين ونرفض بشدة الهجمات التي تشنها إسرائيل على سوريا واحتلالها لأراض سورية. ويتعين على إسرائيل الانسحاب من الأراضي التي تحتلها في سوريا".
وأضاف: "نطالب بشدة باحترام وحدة الأراضي السورية وسيادتها الوطنية، فهذا الأمر يحظى بأهمية كبيرة بالنسبة لنا".
وتشهد مناطق جنوبي سوريا، منذ أشهر، توغلات واعتداءات إسرائيلية متكررة، تشمل عمليات دهم وتفتيش واعتقالات، إلى جانب إقامة حواجز عسكرية.
وتصاعدت هذه التحركات عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024، وإعلان إسرائيل انهيار اتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974، وسيطرتها على المنطقة السورية العازلة.

وفي معرض تقييمه للتطورات المرتبطة بالعلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، قال السفير بدوي إن موقف مصر في هذا الملف يتطابق مع موقف تركيا.
وأكد أن لا حل عسكريا لهذه الأزمة، مشيرا إلى أن مذكرة تفاهم سبق توقيعها بين الأطراف المعنية في يونيو/حزيران 2026، وأن الحل ينبغي أن يكون عبر القنوات الدبلوماسية.
وأضاف أن مصر وتركيا تعملان معا على بحث السبل الكفيلة بجمع الأطراف المعنية وضمان تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في مذكرة التفاهم.
وأوضح أن استقرار المنطقة يرتبط بصورة وثيقة باستقرار الاقتصاد العالمي، لافتا إلى أن التوترات الإقليمية انعكست على العديد من القطاعات، من بينها السفر وأسعار تذاكر الطيران والنفط والكهرباء والغاز الطبيعي وغيرها.
وشدد على أن تنفيذ ما تم الاتفاق عليه يصب في مصلحة جميع الأطراف، مؤكدا ضرورة تكثيف الجهود الدبلوماسية من أجل دفع هذا المسار إلى الأمام.
وعن تجربته الشخصية منذ وصوله إلى أنقرة، قال السفير المصري إنه شعر منذ الأيام الأولى وكأنه في بيته، مرجعا ذلك إلى التقارب الكبير بين العادات والتقاليد الاجتماعية في مصر وتركيا.
وأضاف: "تركيا بلد جميل، وأنقرة عاصمة جميلة. لم نشعر أننا بعيدون عن وطننا، وأستطيع القول إن تركيا بالنسبة لي بيت خارج الوطن".
وأشار إلى أنه يواصل منذ وصوله إلى تركيا دراسة اللغة التركية، موضحا أن تعلمها ليس بالأمر السهل، لكنه مهم للغاية بالنسبة إليه.
وقال: "ما زلت أواصل تعلم التركية. إنها لغة صعبة، لكنها مهمة جدا. وهناك الكثير من الكلمات المتشابهة أو المشتركة بين التركية والعربية، وهذا ما يجعل تعلمها ممتعا وصعبا في الوقت نفسه. وما زلت أواصل دراستها".
وكشف بدوي أن أكثر عبارة يحب استخدامها باللغة التركية هي "تشكّر إيدرم" (أشكرك)، موضحا أنه يفضلها لأنها ذات أصل عربي.
وأضاف أنه زار عددا من المدن التركية، لكنه يجد صعوبة في اختيار مدينة واحدة باعتبارها المفضلة لديه، لأن ذلك سيكون "إجحافا بحق المدن الأخرى".
وأوضح أن تركيا تزخر بمدن سياحية متنوعة، لكل منها طابعها الخاص وعناصر الجذب التي تميزها، مشيرا إلى أنه زار إسطنبول وبورصة وأعجب كثيرا بالمدينتين.
كما أشاد بالعاصمة أنقرة، واصفا إياها بأنها مدينة حديثة، وقال إنه أعجب بشكل خاص بمنطقة قلعة أنقرة.
وعن المطبخ التركي، أكد أن المطبخ التركي غني جدا ومتنوع، ويضم أطباقا تتميز بمذاقها، مشيرا إلى أن الكباب هو طبقه التركي المفضل.
وأشار السفير بدوي إلى أن 23 يوليو/ تموز يمثل مناسبة وطنية ذات أهمية خاصة بالنسبة لمصر، موضحا أن البلاد تحتفل هذا العام بالذكرى الرابعة والسبعين لثورة 23 يوليو 1952، التي شكلت نقطة تحول في تاريخ الدولة المصرية.
وقال إن الثورة مثلت اللحظة التي نالت فيها مصر استقلالها الوطني الكامل، وانتقلت من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من بناء مؤسسات الدولة الحديثة.
وأضاف أن مصر شهدت، في أعقاب الثورة، مسيرة تحديث شملت العديد من المجالات، وفي مقدمتها الاقتصاد والحقوق الاجتماعية، مؤكدا أن بلاده تواصل في الوقت نفسه العمل على بناء علاقات متوازنة وإيجابية مع مختلف دول العالم.
وأوضح أن السفارة في أنقرة نظمت بهذه المناسبة حفل استقبال رسميا احتفالا باليوم الوطني، بحضور عدد كبير من المسؤولين والشخصيات التركية، من بينهم وزير التجارة عمر بولاط.
وأشار إلى أن مستوى المشاركة الواسع في الاحتفال يعكس عمق العلاقات التي تجمع مصر وتركيا، وما تشهده من تعاون متنوع ومتنام في مختلف المجالات.
وأكد أن متانة العلاقات بين البلدين لا تقتصر على مستوى القيادتين السياسيتين فحسب، بل تمتد أيضا إلى مستوى الشعبين، اللذين تجمعهما روابط صداقة وتواصل تاريخية.
news_share_descriptionsubscription_contact
