عين عطا/وسيم سيف الدين/ الأناضول
- رئيس بلدية عين عطا أكرم فرج: البلدة لم تتأثر بشكل مباشر حتى الآن لكن القلق موجود لدى الناس
- مختار البلدة حمزة القاضي: هناك انعكاسات نفسية واقتصادية متزايدة على السكان ووجود الجيش اللبناني يمنح الأهالي نوعاً من الطمأنينة
تبدو بلدة عين عطا اللبنانية، المتكئة بهدوء على السفح الغربي لجبل الشيخ، بعيدة ظاهرياً عن ضجيج الحرب الدائرة في جنوب لبنان إلا أن هذا الهدوء يخفي قلقاً متصاعداً لدى السكان، مع توسع الإنذارات الإسرائيلية باتجاه مناطق حدودية شرقي البلاد، في تطور يراه مراقبون مؤشراً إلى تحولات تتجاوز الجبهة الجنوبية التقليدية.
فالبلدة الواقعة في قضاء راشيا بمحافظة البقاع شرقي لبنان، وهي ذات غالبية درزية، تُعد نقطة تماس جغرافية حساسة بين العمق اللبناني والحدود السورية، وتشرف على ممرات استراتيجية تربط البقاع بالجنوب، فيما يخترقها امتداد جبل الشيخ (حرمون)، ما يمنحها أهمية أمنية وعسكرية متزايدة في أي قراءة ميدانية للتطورات الأخيرة.
وخلال الأسابيع الماضية، وسّع الجيش الإسرائيلي نطاق إنذارات الإخلاء ليشمل السفح الغربي لجبل الشيخ، في خطوة غير مسبوقة منذ عام 1985، طالت مناطق لم تكن ضمن نطاق الاشتباك التقليدي، من بينها محيط عين عطا، بالتوازي مع استمرار تمركز القوات الإسرائيلية في عدد من النقاط الحدودية خلال فترة وقف إطلاق النار.
وتشمل التحذيرات الإسرائيلية شريطاً واسعاً يمتد من الناقورة غرباً إلى مرجعيون وكفرشوبا وعين عطا شرقاً، مروراً ببنت جبيل والخيام وميس الجبل، إضافة إلى مناطق حيوية مثل نهر الليطاني ووادي السلوقي، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة التموضع الإسرائيلي الجديد، وما إذا كان يمهد لفرض وقائع ميدانية طويلة الأمد.
** التوجه شرقاً
ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن الخطورة لا ترتبط بعين عطا وحدها، بل بما وصفه بـ"ثلاث نقاط شديدة الحساسية" ضمن ما يعرف بـ"الخط الأصفر" الذي تتحدث عنه إسرائيل.
وقال ملاعب للأناضول إن "الإعلام الذي يُظهر الخط الأصفر كما رسمته إسرائيل يبدأ من البحر وليس من البر، بما يعني وجود نية إسرائيلية لاعتبار البحر جزءاً من نطاق السيطرة الجديد".
وأضاف أن ذلك يثير مخاوف مرتبطة بملف الحدود البحرية وحقول الغاز، معتبراً أن إسرائيل قد تحاول فرض وقائع تشمل حقل قانا اللبناني.
وفي المحور الثاني، أشار إلى منطقة دير ميماس ومجرى نهر الليطاني، موضحاً أن "الخط الأصفر يتجاوز مجرى الليطاني في بعض النقاط، بما يضع أجزاء من النهر ضمن نطاق السيطرة أو النفوذ الإسرائيلي"، معتبراً أن الأمر يرتبط بـ”أطماع إسرائيلية قديمة بالمياه”.
أما المحور الثالث، فيتعلق بمنطقة عين عطا وجبل الشيخ، حيث يرى ملاعب أن إدراج هذه المنطقة ضمن الخرائط والتحذيرات الإسرائيلية يعكس اتجاهاً لتوسيع المجال العملياتي نحو الشرق، وربط الجبهة الجنوبية بالممرات الحدودية المحاذية لسوريا.
وقال: “طالما أن إسرائيل موجودة في جبل الشيخ، فهذا يعني أن كامل هذه المنطقة الممتدة من البحر إلى جبل الشيخ تدخل ضمن تصور أمني جديد، حتى وإن كانت خارج القتال المباشر سابقاً”.
وأضاف أن استخدام تسميات عبرية جديدة داخل هذه المناطق “قد يكون مؤشراً إلى محاولة فرض واقع ميداني طويل الأمد، يصعب التراجع عنه لاحقاً”.
وفي خطوة تعكس توجّهًا لتوسيع نطاق المناطق العازلة خارج حدودها على غرار ما نفذته في غزة وسوريا، تواصل إسرائيل تكريس نهج الاحتلال المقنّع ضمن ما أسمته "الخط الأصفر" جنوبي لبنان، وسط رفض وتحذيرات من تداعيات إنسانية وميدانية متفاقمة.
وفي أبريل، أعلن الجيش الإسرائيلي فرض "الخط الأصفر" جنوب نهر الليطاني في لبنان، وهو خط وهميّ يحدد المنطقة الممتدة منه وصولا إلى الحدود جنوبا على أنها "منطقة أمنية عازلة" في تكرار لنموذج قطاع غزة.
وهذا الخط، وفقا لإسرائيل، يستهدف منع عودة النازحين ومهاجمة أي تحركات مسلحة بصفتها "منطقة قتال" لا تخضع لوقف إطلاق النار، ما يشير إلى محاولة ترسيخ واقع ميداني جديد بتكريس سياق وتبرير مسبق لهجمات مستقبلية.
** قلق حذر
في المقابل، يحاول سكان البلدة التعامل بحذر مع المخاوف المتصاعدة، وسط اعتماد شريحة واسعة منهم على الزراعة وتربية المواشي، في منطقة ريفية نائية تتأثر سريعاً بأي توتر أمني.
وقال رئيس بلدية عين عطا أكرم فرج للأناضول إن “الأخبار المتداولة تخلق بطبيعة الحال حالة خوف أو ذعر لدى البعض، لكن المهم هو نقل الواقع كما هو على الأرض”.
وأضاف أن البلدة لم تتأثر بشكل مباشر حتى اليوم، “لكن القلق موجود لدى الناس، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من الأهالي يعتمد على المواسم الزراعية وتربية المواشي، فيما تقلصت المساحات التي يتحركون فيها بعد الأحداث الأخيرة”.
وأوضح أن الموقع الجغرافي للبلدة يضاعف حساسيتها، قائلاً: “عين عطا تُعتبر بوابة الجنوب من جهة البقاع الغربي، وهي على تماس مع جبل الشيخ وشبعا وعدة قرى حدودية، وهذا ما يمنحها أهمية استراتيجية معروفة منذ سنوات”.
وأكد فرج أن البلدة “تلتزم بسلطة الدولة اللبنانية والجيش اللبناني”، مضيفاً: “نتمنى أن تفرض الدولة حضورها بشكل أكبر، وأن تبقى المنطقة تحت سيطرة المؤسسات الرسمية”.
** مخاوف معيشية
من جهته، تحدث مختار البلدة (مسؤول محلي منتخب) حمزة القاضي، عن انعكاسات نفسية واقتصادية متزايدة على السكان، لا سيما في القرى المتاخمة للحدود.
وأشار إلى تراجع بعض الأنشطة الأساسية، مثل رعي المواشي وجمع المؤن البرية، إضافة إلى المخاوف من تأثير الوضع الأمني على موسم الصيف وقدوم المغتربين، في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان.
وفي الوقت نفسه، أكد القاضي أن وجود الجيش اللبناني يمنح الأهالي “نوعاً من الطمأنينة”، معبّراً عن أمله بانتهاء التوتر وعودة الاستقرار.
كما وجه رسالة إلى وسائل الإعلام دعا فيها إلى “نقل الصورة الواقعية من الميدان بعيداً عن التهويل”، مطالباً الصحفيين بزيارة البلدة والاطلاع على حياة السكان اليومية “بدلاً من الاكتفاء بصور الإثارة والذعر”.
ومنذ 2 مارس/ آذار الماضي، خلّف العدوان الإسرائيلي على لبنان 2576 قتيلا و7 آلاف و962 جريحا وأكثر من 1.6 مليون نازح، أي خُمس السكان، حسب أحدث معطيات رسمية.
وبدأت في 17 أبريل/ نيسان الماضي هدنة لمدة عشرة أيام، ثم جرى تمديدها حتى 17 مايو/ أيار الجاري، لكن إسرائيل تخرقها يوميا، عبر قصف دموي، وتفجير واسع لمنازل بعشرات القرى في جنوبي لبنان.
وتحتل إسرائيل مناطق بجنوبي لبنان، بعضها منذ عقود وأخرى منذ الحرب السابقة بين 2023 و2024، فيما توغلت خلال العدوان الراهن لمسافة نحو 10 كلم داخل الحدود الجنوبية.