غزة / رمزي محمود / الأناضول
- أبو سهمود تعجز عن السفر للعلاج وسط تدهور القطاع الصحي جراء الإبادة الإسرائيلية بغزة
في سرداب ضيق ومظلم أسفل درج مدرسة لإيواء النازحين بمدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، ترقد الأكاديمية الفلسطينية خلود أبو سهمود (35 عاما) على فراش المرض، منهكة الجسد بعد رحلة طويلة مع السرطان.
وبين جدران السرداب الرطبة، تتوسط شهادات الماجستير والدكتوراه وشهادات الخبرة والكفاءة المكان الذي بات مأواها بعد نزوح متكرر جراء حرب الإبادة التي ترتكبها إسرائيل بقطاع غزة، لتظل شاهدة على أحلام أكاديمية وطموحات علمية لم تكتمل.
في 11 يونيو/ حزيران الجاري قالت وزارة الصحة في قطاع غزة إن إسرائيل تعرقل سفر 17 ألف فلسطيني حاصلين على تحويلات طبية للعلاج في الخارج، محذرة من ارتفاع وفيات المرضى المنتظرين للعلاج.
ويعاني القطاع الصحي بغزة من انهيار جراء تداعيات الإبادة الإسرائيلية التي خلفت دمارا كبيرا في المستشفيات والبنية التحتية الصحية، إلى جانب نقص حاد في الأدوية والوقود والمستلزمات الطبية.
تقاوم خلود المرض والنزوح معا، فيما تعيش مع تسعة من أفراد عائلتها في مساحة ضيقة تفتقر لمقومات الحياة الملائمة لمريضة سرطان.
لم تتمكن خلود من حبس دموعها خلال حديثها مع الأناضول، وهي تستعرض تفاصيل معاناتها اليومية مع المرض الذي اكتُشف بعد ولادة طفلتها الأخيرة قبل ثمانية أشهر.
تقول بصوت منهك: "أنا مريضة سرطان، اكتشفته عقب ولادة طفلتي الأخيرة، وحصلت على قرابة 15 جلسة علاج كيماوي، ومع ذلك لم تحدث الاستجابة المرجوة، فقرر الأطباء وقف الجرعات".
وتوضح أن العلاج الكيماوي أنهك جسدها دون نتيجة، مضيفة: "تساقط شعري وأظافري نتيجة العلاج غير الناجع، وأعاني من ضيق في التنفس، خصوصا أثناء النوم، إضافة إلى انتفاخ في البطن وخسارة أكثر من 20 كيلوغراما من وزني".
وباتت أبسط الحركات اليومية تشكل تحديا بالنسبة لها، وتردف: "أعاني من صعوبة في الحركة، لا أستطيع المشي سوى أمتار قليلة قبل أن أشعر بإجهاد شديد".
وتزداد معاناة خلود مع التدهور الحاد بقطاع الصحة في غزة جراء الإبادة الإسرائيلية، مبينةً أن استمرار إغلاق المعابر وغياب فرص السفر للعلاج يفاقمان وضعها الصحي.
وتفيد بأن القطاع الصحي داخل غزة "يُرثى له، ولا توجد الإمكانات اللازمة للعلاج"، وبأن "عشرات آلاف المرضى والجرحى على قوائم الانتظار للسفر، ولا يغادر منهم سوى أعداد محدودة جداً وبشكل متقطع، ما يزيد من معاناتنا".
وفيما تكافح المرض، تواجه خلود ألما آخر لا يقل قسوة يتمثل في عجزها عن رعاية طفليها، خاصة رضيعتها التي تحتاج إلى عناية.
وبعينين غلبتهما الدموع، تقول بحسرة: "حُرمت من رعاية رضيعتي، ولا أتمكن من حملها أو إرضاعها بشكل سليم".
وتتابع: "أشعر بالأسى وأنا أرى أطفالي وزوجي بحاجة إليّ، لكنني لا أستطيع تقديم الرعاية لهم، فأنا الآن من يحتاج لرعاية وأنا على فراش المرض".
ورغم الظروف القاسية التي تحاصرها اليوم، تستعيد خلود بفخر مسيرتها العلمية التي كرست لها سنوات عمرها.
فقد حصلت على درجة الدكتوراه في التربية من الجامعة الإسلامية بغزة، وكانت من الطالبات المتفوقات اللواتي لفتن الأنظار باجتهادهن الأكاديمي.
وتقول بهذا الصدد: "أحب العلم والتحصيل العلمي، لذلك كنت مجتهدة في دراستي وكرست حياتي لذلك، ووفقني الله بالحصول على شهادتي الماجستير والدكتوراه من كلية التربية".
وتكمل: "تخرجت في البكالوريوس بالعام 2013، وأنهيت الماجستير بالعام 2018 خلال سنة وأربعة أشهر فقط بسبب اجتهادي الشديد، كما منحتني الجامعة فرصة إلقاء محاضرات قبل إنهاء دراسة الماجستير".
لكن الحرب قلبت حياتها رأسا على عقب، إذ وجدت نفسها مضطرة للنزوح مرات عديدة، متنقلة بين أماكن الإيواء المختلفة.
نزحت خلود خلال الحرب عدة مرات، وعاشت في خيمة بمنطقة المواصي في خان يونس، ثم انتقلت إلى المدرسة هربا من حياة الخيام بسبب وضعها الصحي.
اتخذت من السرداب الصغير أسفل درج المدرسة مأوى لها إلى جانب عائلة شقيقتها، مضيفة: "نعيش حاليا 10 أفراد في هذا السرداب المظلم، في بيئة غير مهيأة إطلاقا لمريضة مثلي وأعاني كثيرا بسبب ذلك".
ورغم الألم الذي ينهش جسدها، ما تزال خلود تتمسك بأمل وحيد يتمثل في الحصول على فرصة للعلاج خارج قطاع غزة.
وتقول: "أقصى ما أتمنى حاليا أن أتمكن من المغادرة لتلقي العلاج اللازم، وأن أتماثل للشفاء وأعود إلى حياتي ودراستي وأهل بيتي، وحتى أرعى طفليّ".
وتوجه نداء إلى الجهات المعنية قائلة: "أناشد كل الجهات ذات العلاقة أن تنظر بعين الرحمة لي، وأن تسرع في عملية إجلائي لتلقي العلاج قبل فوات الأوان، أنا وعشرات الآلاف من المرضى".
وتختم حديثها بحسرة على أحلام أكاديمية كانت تسعى لتحقيقها قبل أن يداهمها المرض والحرب معا، قائلة: "كنت أطمح إلى أن أنال درجة الأستاذية، لكن المرض حال بيني وبين ذلك، وعصف بأحلامي وطموحاتي".
وفي 9 يونيو/حزيران الجاري أفادت وزارة الصحة بأن إسرائيل لم تسمح سوى بمغادرة 1204 مرضى فقط، من أصل 17 ألفا و757 حاصلين على تحويلات طبية للعلاج في الخارج.
وأضافت أن الفارق الكبير بين أعداد المحتاجين للعلاج وأعداد المغادرين يعكس "فجوة إنسانية خطيرة" تتسبب في تفاقم معاناة المرضى وارتفاع أعداد الوفيات اليومية بينهم.
ودعت الوزارة المؤسسات الدولية والحقوقية إلى "الضغط على إسرائيل لفتح المعابر وتمكين المرضى من الوصول إلى العلاج"، محذرةً من أن "كل يوم تأخير يرفع عدد الضحايا ويهدد حياة المزيد من المرضى".
وتحاصر إسرائيل قطاع غزة منذ العام 2007، وبات نحو 1.5 مليون فلسطيني من أصل حوالي 2.4 مليون بالقطاع بلا مأوى في أوضاع كارثية بعد أن دمرت حرب الإبادة مساكنهم.
ومنذ بدء الإبادة الإسرائيلية في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، قتل أكثر من 73 ألف فلسطيني وأصيب ما يزيد على 173 ألفا آخرين في القطاع، إضافة إلى دمار واسع طال 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية.
ورغم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، تواصل إسرائيل الإبادة بحصار وقصف يومي يُسفر عن قتلى وجرحى، كما تمنع إدخال كميات كافية من المواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الطبية ومواد الإيواء.
news_share_descriptionsubscription_contact


