Laith Anwar Jad#an Al-jnaidi
15 مايو 2026•تحديث: 15 مايو 2026
إربد (الأردن) / ليث الجنيدي / الأناضول
- شارك في "معركة الكرامة" بغور الأردن سنة 1968 ضد عدوان الجيش الإسرائيلي وقُتل ابنه بغارة على قطاع غزة العام الماضي
- عقيلان: أوصي أحفادي وأحدثهم دوما عن الوطن والتمسك بحق العودة فما ضاع حق وراءه مطالب
مع حلول 15 مايو/ أيار، الذكرى السنوية للنكبة الفلسطينية، تنفتح في مخيم إربد شمال الأردن "فجوات" من الوجع و"جبهات" من الصمود، حيث تئن الجدران بالذكريات وتضج بالثبات.
وبين أزقة المخيم الضيقة، يختصر الحاج حرب عقيلان (77 عاما) في حديث للأناضول، حكاية جيل لم تزده السنين إلا تشبثا بيقين العودة إلى بلدته "الفالوجة" جنوبي فلسطين، التي هُجّرت عائلته منها خلال نكبة 1948.
ويُطلق الفلسطينيون مصطلح "النكبة" على تهجير 957 ألفا منهم من أصل 1.4 مليون كانوا يقيمون في نحو 1300 قرية ومدينة عام 1948 بالتزامن مع قيام إسرائيل على أراضيهم، بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
ويعيش الحاج عقيلان حاليا بمخيم إربد، متمنيا العودة إلى بلدته "الفالوجة" التي حاولت إسرائيل طمس هويتها بتسميتها "كريات جات".

وأُنشئ مخيم إربد عام 1951 على مساحة 0.244 كلم مربع، شمالي الأردن، ويبلغ عدد سكانه حوالي 25 ألف لاجئ فلسطيني.
وفي الأردن 13 مخيما للاجئين الفلسطينيين، 10 منهم تعترف بها وكالة الأونروا الأممية كونها هي من وزعت الأراضي على المنتفعين من اللاجئين.
أما الثلاثة الأخرى فهي مخيمات مادبا (وسط) وحي الأمير حسن (بالعاصمة عمان) والسخنة (بمحافظة الزرقاء- وسط)، وتقدم الأونروا فيها خدمات الإغاثة والصحة والتعليم.
ذاكرة لا تشيخ
تتجول في أزقة مخيم إربد، فتجد أن كل زقاق يروي تاريخا ويحكي حاضرا، الجدران هنا ليست مجرد حجارة، بل هي "لوحات سيادة" رُسمت عليها خريطة الأردن وفي قلبها فلسطين، في إشارة تأكيد أن القضية تسكن قلوب الأردنيين.
على كل جدار، كُتبت عبارة "فلسطين" و"القدس عاصمة فلسطين"، لتظل البوصلة والعنوان الأبدي للتمسك بالعودة، وكأن هذه الكتابات صرخة صامتة تعلن للعالم: "إننا باقون".
ووسط هذه الأجواء، وبملامحه التي تختزل مأساة اللجوء، يخرج الحاج عقيلان متكئاً على عكازه، وهو الذي وُلد من رحم النكبة، فقد كان جنينا حين هُجّرت عائلته من بلدة "الفالوجة" عام 1948.
يستذكر بمرارة طفولته بين مخيمي "الجميزات" و"الشاطئ" بغزة، قائلا: "كنا حفاة، ولا شيء في أقدامنا.. الملابس مهترئة.. الله هو الراعي".

نصر "الكرامة"
لم يكتفِ الحاج عقيلان بالبكاء على الأطلال، بل كان مشاركا في خنادق معركة "الكرامة" بغور الأردن عام 1968، حينما تمكن عدد من الفدائيين الفلسطينيين يدعمهم الجيش الأردني من دحر عدوان إسرائيلي كبير على قرية الكرامة في الأغوار.
يستذكر تلك البطولات بابتسامة فخر: "كنا نقابل اليهود وجها لوجه.. ولم نكن نخشى الموت أو نحسب له حساباً، وكان أبطال الجيش الأردني يؤازروننا جنباً إلى جنب".
حتى حين فُجع بمقتل ابنه "حسام" في غزة عام 2025 بغارة إسرائيلية على منزله، اعتبر الدم قُرباناً للعودة، قائلاً بصلابة: "انقضى عمري غير أنني أوصي أحفادي وأحدّثهم دوماً عن الوطن.. فما ضاع حق وراءه مُطالب".

"مُتمرتِح" بفلسطين
يقول عقيلان إن شقيقه يحتفظ بوثائق "طابو" تثبت ملكيتهم للأرض في بلدة "الفالوجة" التي حاولت إسرائيل طمس هويتها بتسميتها "كريات جات".
وعن تمسكه بهويته، يستخدم الحاج عقيلان مفرداته الأصيلة قائلاً: "أنا مُتمرتِحٌ بفلسطين" (أي متمسك بها بشدة).
ويوصي أحفاده والجيل الجديد: "احرصوا على البلاد ولا تنسوها، فهذه وصية آبائنا وأجدادنا.. سنظل على العهد ما حيينا، متشبثين بتراب فلسطين بكل ما أوتينا من قوة".
يجلس حفيده طارق (9 سنوات) تحت ظله، يتبع كلمات جده كمن يتلقى درساً في العقيدة.
وحين يبدأ الصغير بالغناء للوطن، يصيح به جده بلهفة: "ارفع صوتك!"؛ فصوت الحق عند الحاج عقيلان يجب أن يُدوي ليبقى صدى الجدران التي كُتب عليها "فلسطين" حياً في وجدان الأجيال.
إن تجاعيد وجه الحاج عقيلان، وتلك الرسومات التي تغطي جدران المخيم، هي الدليل القاطع على أن مقولة "الكبار يموتون والصغار ينسون" سقطت تحت أقدام جيلٍ متمسك بأرضه، لا يعرف غير فلسطين وطناً.

موقف لا ينسى
بين ذكريات اللجوء التي لا تمحوها السنين، يستذكر الحاج عقيلان بابتسامة يمتزج فيها الفرح بالمرارة، لحظة وصوله إلى الأردن عام 1967 حين طلبت منه الأجهزة الرسمية "كفيلاً" لتسمح له بالدخول.
أرسل في طلب خاليه (حسن وحسين) المقيمين في منطقة الكرامة بالغور الأردني، وفق ما يروي للأناضول.
وعند وصولهما، وقف الخالان أمام الضابط الذي استغرب جفاف اللقاء الأولي بينهما، متسائلاً بريبة: "كيف لا تعرفون بعضكم؟".
لكن الإجابة جاءت كالصاعقة حين ارتمى عقيلان في أحضان خاليه بعناقٍ حار أبكى الحاضرين، ليقولا للضابط بلسانٍ يملؤه الحزن: "هذا ابن أختنا.. ولدته في غزة (أثناء الهجرة)، وهذه هي المرة الأولى التي نراه فيها في حياتنا!".

كان موقفاً اختصر مأساة شعب شتته احتلال إسرائيل، حيث يولد الأبناء ويكبرون ويشيبون قبل أن تكتحل أعينهم برؤية أقرب الناس إليهم.
وتحل ذكرى النكبة هذا العام بينما تواصل إسرائيل منذ عام 2023 حرب إبادة في قطاع غزة، عبر قصف دموي وتقييد لإدخال المساعدات الإنسانية، برغم اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
وبموازاة ذلك يكثف الجيش الإسرائيلي والمستوطنون اعتداءاتهم بالضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، عبر القتل والاعتقال وتخريب وهدم منازل ومنشآت وتهجير فلسطينيين والتوسع الاستيطاني في أراضيهم.