أنقرة / زاهر صوفو أوغلو / الأناضول
الرئيس التركي في مقابلة مع رئيس تحرير صحيفة "الشرق الأوسط" غسان شربل:
- فكرة اتفاق مكة جاء نتيجة للظروف الجديدة التي أفرزتها التطورات التي تشهدها المنطقة
- الاتفاق لا يستهدف أي دولة وهو مفتوح لمشاركة جميع الدول الشقيقة التي تهدف إلى السلام
- مضيق هرمز نقطة ذات أهمية عالمية، وهو ممر استراتيجي للغاية بالنسبة إلى إمدادات الطاقة
- علاقتنا مع السعودية استراتيجية تشكلت من خلال تاريخنا المشترك وروابطنا الأخوية ومصالحنا المتبادلة
- سلامة لبنان وأمنه واستقراره يمثل أهمية قصوى لاستقرار منطقتنا بأكملها
قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن "اتفاق مكة للدفاع المشترك" المبرم بين تركيا والسعودية وباكستان يعد خطوة استراتيجية لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي، مبينا أنه لا يستهدف أي دولة.
تصريحات أردوغان جاءت في مقابلة مع رئيس تحرير صحيفة "الشرق الأوسط" غسان شربل، وفيما يلي إجابات الرئيس عن الأسئلة التي طرحت عليه.
1- كيف ظهرت فكرة اتفاق مكة الثلاثي، وما التطورات التي أثرت في المسار المؤدي إلى هذا الاتفاق؟
كنا وما زلنا نؤيد اضطلاع دول المنطقة بقضاياها والعمل على حلها، وهذا نهجنا الأساسي دائما. كان ينبغي أن تتولى الجهات الفاعلة في المنطقة حل قضاياها، ويمكن القول إننا اتخذنا الخطوة الأولى في هذا الاتجاه. وقد أظهرت التطورات التي شهدناها خلال الفترة الأخيرة مجددا مدى أهمية التضامن بين الدول الشقيقة والصديقة.
نحن في تركيا أكدنا دائما أن الخلافات لا ينبغي أن تتعمق، بل ينبغي تعزيز قنوات الحوار والتشاور. لأننا ندرك أن السلام الدائم لا يتحقق بمجرد إنهاء الصراعات، وإنما من خلال بناء الثقة المتبادلة والإرادة السياسية والرؤية المشتركة للمستقبل. واتفاق مكة للدفاع المشترك هو نتيجة لهذا الفهم تحديدا.
تركيا، إلى جانب المملكة العربية السعودية وباكستان، تحملت مسؤولية تاريخية تجاه استقرار المنطقة ورفاه شعوبها، واتفاق مكة مفتوح أمام جميع الدول الشقيقة الراغبة في السلام والاستقرار في المنطقة، وسنواصل، كما فعلنا في الماضي، اتخاذ موقف مؤيد للسلام والاستقرار والأخوة.
ونحن ننظر إلى اتفاق مكة على أنه تجسيد ملموس لهذه الإرادة، والدول الثلاث الموقعة لا تتردد في زيادة عدد الدول الأطراف فيه. السعودية وباكستان وتركيا فتحت، بإذن الله، الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون والتضامن في منطقتنا. ونحن دول تمتلك الإرادة لإبقاء هذا الباب مفتوحا دائما والمساهمة في تعزيز السلام والاستقرار.
2- هل يرتبط الاتفاق بمسار التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، أم أن فكرة التنسيق الثلاثي كانت مطروحة قبل ذلك؟
إن الاتفاق الذي يؤكد أيضا حق الدفاع عن النفس، كما هو محدد في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، لا يستهدف أي دولة، وهو مفتوح لمشاركة جميع الدول الشقيقة التي تهدف إلى السلام والازدهار والاستقرار في منطقتنا.
ورؤيتنا لا تقتصر على الدول الثلاث، بل تتمثل في توسيع هذا الإطار أكثر، وإذا أمكن ضمان انضمام جميع دول المنطقة إلى هذه المظلة يوما ما، فسيكون ذلك أهم خطوة لتحقيق الاستقرار الدائم في المنطقة.
الخطوة التي نتخذها اليوم لها تاريخها بالتأكيد، فقد كان هذا الاتفاق لفترة طويلة أحد المواضيع التي ناقشناها في محادثاتنا مع شركائنا ودول أخرى في المنطقة، ونعبّر منذ وقت طويل عن ضرورة أن تكون الدول المعنية في تشاور منتظم من أجل تعزيز السلام والاستقرار والأمن في منطقتنا، ونتصرف وفقا لذلك.
ولأننا نعلم ما هي العواقب الكارثية التي يمكن أن تؤدي إليها الحلول المفروضة خارجيا على مشاكل المنطقة، فإننا ننتهج دائما سياسة تهدف إلى جعل إرادة دول المنطقة وعقلها الجماعي عاملا حاسما. وبالتالي، لا يمكننا النظر إلى الاتفاق الثلاثي الذي ظهر في مكة على أنه مجرد رد فعل على تطورات يومية، فالخطوة التي اتخذناها هي إرادة استراتيجية بمواجهة الظروف الإقليمية المتغيرة.
وتركيا كانت وما زالت إلى جانب تعزيز الدبلوماسية لا التوتر، والحوار لا الصراع، والتعاون الإقليمي لا الانقسام. وباعتبارنا دولة قادرة على التحدث مع جميع الأطراف وتحمل المسؤولية في القضايا الصعبة عند الضرورة، سنواصل القيام بما يقع على عاتقنا من أجل إرساء السلام والاستقرار الدائمين في منطقتنا.
3- رغم أن الاتفاق ذو طبيعة دفاعية، فإنه ينص على أن أي هجوم يستهدف أحد الأطراف يعد هجوما على الأطراف الثلاثة. هل هذا صحيح؟
نحن لا نستهدف أي دولة بهذا الاتفاق، وإنما هدفنا فقط تحقيق السلام والاستقرار والرفاه لشعوبنا. وكما هو منصوص عليه بوضوح في الاتفاق، فإن النقطة الأساسية هنا هي أن أي تهديد لأمن أحد الأطراف يجب أن يعتبره الطرف الآخر قضية أمنية مشتركة. لكن لا ينبغي النظر إلى هذا الأمر باعتباره بندا عسكريا فحسب. فالهدف الرئيسي من الاتفاق هو تعزيز الردع، ودعم أمن الأطراف من خلال التضامن المتبادل، وحماية الاستقرار الإقليمي.
القفزات النوعية التي حققتها تركيا في قطاع الدفاع والأمن خلال السنوات الأخيرة تحظى بتقدير واسع. وفي الوقت الذي نحقق فيه هذه الإنجازات، فإننا نضفي على تعاوننا واتفاقاتنا مع الدول الشقيقة والصديقة طابعا يعزز السلام والاستقرار في المنطقة".
وفي الوقت نفسه، نبعث، بصفتنا الدول الموقعة على هذا التحالف، برسالة مفادها أننا لن نشكل تهديدا لبعضنا البعض، بل نتعهد بضمان أمن بعضنا البعض، وأننا سنتضامن فيما بيننا. ورسالة اتفاق مكة للدفاع المشترك واضحة تماما، وهي أن أمن أي واحد منا هو أمننا جميعا. ونؤمن بأنه إذا طبقنا هذا الفهم في منطقتنا بنهج شامل، فسنخلق بيئة من السلام والاستقرار والازدهار الدائمين، بما يعود بالنفع علينا جميعا.
4- هل يمكن القول إن القوى الإقليمية في الشرق الأوسط قررت تولي مسؤولية تحقيق الأمن والاستقرار، التي كانت تعد في السابق حكرا على القوى الكبرى؟
نحن في تركيا نولي أهمية كبيرة لإنشاء آليات أقوى بين دول المنطقة، وإرساء الأمن والاستقرار بشكل مشترك. لذا نقيم علاقات جيدة جدا مع جميع دول المنطقة تقريبا. وفي الوقت نفسه، نرى أنه من المفيد جعل تعاوننا القائم مع دول المنطقة أكثر ديمومة.
وفي هذا السياق، نؤمن بضرورة أن تضمن دول المنطقة أمنها واستقرارها الاقتصادي من خلال علاقات مؤسسية فيما بينها. وأبرز ما أظهرته التطورات التي نشهدها اليوم هو أن مستقبل المنطقة لا يمكن تشكيله بمعزل عن إرادة دولها.
هدفنا ليس تشكيل كتل إقصائية، بل إقامة نظام تعاون إقليمي قائم على احترام السيادة والسلامة الإقليمية والثقة المتبادلة والمصالح المشتركة. وستواصل تركيا العمل وفقا لهذا المبدأ، وستتحمل المسؤولية عند الضرورة، وستسعى بحزم وراء مبادراتها الدبلوماسية لتعزيز السلام والاستقرار والأمن في منطقتنا".
5- هل تعتقدون أن اتفاق مكة سيسهم في تعزيز الأمن في منطقة الخليج، التي تتمتع بأهمية كبيرة بالنسبة للاقتصاد العالمي؟
وهذا ليس مجرد طرح نظري، فقد أظهرت لنا التطورات التي شهدناها خلال الأشهر القليلة الماضية ذلك بوضوح. لذلك، نعتبر كل خطوة يتم اتخاذها لتعزيز الأمن والاستقرار في الخليج ذات قيمة ليس فقط للسلام الإقليمي ولكن أيضا للسلام والازدهار العالميين.
ونؤمن بأن اتفاق مكة للدفاع المشترك سيسهم بشكل كبير في ترسيخ مفهوم الأمن والتضامن المشترك في المنطقة، وسيغير النموذج السائد فيها. ولا يمكن التفكير في الأمن والتنمية الاقتصادية بمعزل عن بعضهما. وقد أكدت دائما أن الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية يتقدمان جنبا إلى جنب.
بعد الحروب الكبرى التي شهدتها أوروبا، وصلت أولا إلى مرحلة من الاستقرار والأمن المشترك، ثم إلى التكامل الاقتصادي والازدهار. ويمكننا الوصول إلى هذه المرحلة معا دون تكبد الكثير من المعاناة. ففي غياب السلام، لا يمكن للتجارة والاستثمار والازدهار أن تكون مستدامة. كما يعد استقرار الخليج قضية استراتيجية فيما يتعلق بأمن الروابط الاقتصادية بين آسيا وأوروبا وإفريقيا".
ونحن لا ننظر إلى السلام والاستقرار في الخليج على أنهما منفصلان عن منظورنا الأمني ومنظور السلام الإقليمي. لذلك، سنواصل تحمل جميع المسؤوليات التي تقع على عاتقنا ومواصلة جهودنا الدبلوماسية البناءة.
6- هل تتوقعون عودة الوضع في مضيق هرمز إلى ما كان عليه قبل اندلاع الصراع الحالي؟
وأثبت مضيق هرمز أنه أحد الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي. أملنا وتوقعنا أن ينتهي التوتر الحالي في أسرع وقت ممكن، وأن يخدم مضيق هرمز التجارة الدولية مرة أخرى بطريقة آمنة ومستقرة ودون انقطاع. ولا يمكن أن يحدث هذا إلا إذا تصرفت الأطراف بحكمة وحافظت على قنوات الاتصال الدبلوماسية مفتوحة.
لم نكن يوما من مؤيدي تصعيد التوترات؛ بل على العكس، كنا ندعو إلى حل المشاكل عبر التفاوض والحوار مع جميع الأطراف. وقد سعينا جاهدين لجمع الأطراف على طاولة واحدة. لأننا نعلم أن الطريق إلى حل دائم في مضيق هرمز، أو في أوكرانيا، أو في فلسطين لا يمر عبر الصراع، بل عبر الدبلوماسية.
وتتحمل دول المنطقة مسؤولية كبيرة فيما يتعلق بأمن هذا الممر المائي بالغ الأهمية. ونؤمن بأن تعزيز الملكية الإقليمية ومفهوم الأمن المشترك سيسهمان بشكل كبير في استقرار مضيق هرمز. وينبغي أن يكون الهدف هو إعادة مضيق هرمز إلى مساره الطبيعي والآمن والمستقر، وأن يصبح هذا الأمر دائما.
7- كيف تصفون العلاقة الحالية بين تركيا والمملكة العربية السعودية؟
وبينما نعمل على تعزيز حوارنا السياسي، فإننا نعمل أيضا على تطوير تعاوننا في العديد من المجالات، بما في ذلك الاقتصاد والتجارة والاستثمار والصناعات الدفاعية والطاقة والسياحة. وإننا لا ننظر إلى علاقتنا مع السعودية من منظور التطورات المؤقتة فحسب، بل على أساس المصالح المشتركة طويلة الأجل والاحترام المتبادل.
وفي الوقت الذي تواجه فيه منطقتنا تحديات خطيرة للغاية، أصبحت المشاورة والتعاون الوثيق بين تركيا والمملكة أكثر أهمية من أي وقت مضى. نعتقد أن اتفاق مكة سيساهم في تعزيز علاقاتنا في العديد من المجالات، ولا سيما في مجال التعاون الدفاعي. وإننا ندرك مسؤولياتنا المشتركة تجاه السلام والاستقرار في منطقتنا، ونتصرف وفقا لذلك.
نحن في تركيا نولي أهمية بالغة لاستقرار وأمن المملكة العربية السعودية وغيرها من دول المنطقة. ذلك لأن أصغر أزمة في منطقتنا، لا سيما فيما يتعلق بالهجرة والإرهاب، لها تداعيات تمتد لتشمل جميع دول المنطقة. وأعتقد أننا سنتخذ في الفترة المقبلة خطوات من شأنها أن ترتقي بالعلاقات بين بلدينا إلى مستويات أعلى.
8- تركيا تتابع عن كثب الوضع في لبنان. ما وجهة نظركم بشأن التطورات الأخيرة في ذلك البلد؟
وإننا نعارض تعقيد الشؤون الداخلية للبنان عبر التدخلات الخارجية أو الوسائل العسكرية، وتحويل البلاد إلى ساحة صراع للقوى الأجنبية. ونؤمن بأن للشعب اللبناني الحق في اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبل بلاده بإرادته الحرة.
يجب أن تتوقف فورا سياسات إسرائيل العدوانية والتوسعية، التي تشكل المشكلة الأساسية في المنطقة. وفي هذا السياق، ننظر بإيجابية إلى المفاوضات الجارية لتأمين وقف إطلاق النار في لبنان. ولا يمكن فصل أمن واستقرار لبنان عن السلام الإقليمي.
لا ينبغي أن يكتب مصير الشرق الأوسط بالصراع والدمار والمعاناة فقط. فهذه المنطقة تستحق أيضا السلام والطمأنينة والازدهار. فهذا الفهم هو جوهر جميع جهودنا الدبلوماسية كتركيا. لقد ارتبطت منطقتنا بالحرب والدموع لسنوات طويلة. يجب علينا بذل كل ما في وسعنا لتغيير هذا الواقع.
إن رغبتنا بطبيعة الحال تتمثل في أن يستعيد لبنان استقراره، وأن تتعزز مؤسساته، وأن يتمكن شعبه من التطلع إلى المستقبل بأمان. وفي هذا الإطار، نحن مستعدون لتقديم كل أشكال الدعم الفني وإقامة التعاون. وقد أعربنا عن إرادتنا بهذا الصدد أخيرا للرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الوزراء نواف سلام، اللذين استضفناهما في بلادنا.
9- كيف تقيمون عملية التغيير في سوريا حتى الآن؟
ولن نسمح بوجود كيانات في شمالي سوريا أو في أي منطقة أخرى من شأنها تهديد أمن تركيا. وكما أن وحدة الأراضي السورية مهمة بالنسبة إلينا، فإن الأمن القومي التركي مهم بالقدر ذاته. وكانت رغبتنا دائما هي أن يتمكن أشقاؤنا السوريون من العيش في بلدهم بأمان وسلام.
وقد حققت سوريا تقدما ملحوظا منذ ديسمبر/ كانون الأول 2024 في تحسين الأوضاع الأمنية، ووضع الأسس للتنمية الاقتصادية، وإرساء المصالحة الاجتماعية. وبطبيعة الحال، لعب الدعم الإقليمي والتضامن الذي حظيت به الحكومة السورية دورا حاسما في تحقيق هذه النتيجة.
وبعد أن طورت الحكومة السورية علاقات جيدة مع المجتمع الإقليمي والدولي، فإنها تظهر أيضا قدرتها على البقاء بعيدا عن المزيد من الصراع من خلال التركيز على أجندة الاستقرار والأمن المستدامين. اليوم، بات تحسين الأوضاع في سوريا مسألة ذات أهمية استراتيجية بالغة للمنطقة بأسرها. فبدلا من أن تكون سوريا مصدرا لعدم الاستقرار، بات اسمها مرتبطا بمشاريع الربط والتنمية.
وكما دأبت تركيا حتى الآن، ستواصل الاضطلاع بمسؤوليتها تجاه استقرار سوريا وإعادة إعمارها وتعزيز السلام الإقليمي. وفي هذا الصدد، تبدي تركيا أيضا استعدادها للعمل بالتعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين. ومع فتح صفحة جديدة في سوريا، ينبغي أن تكتب هذه الصفحة لا بآلام جديدة، بل بفهم قائم على السلام والأخوة والسيادة والمستقبل المشترك.
news_share_descriptionsubscription_contact
