Wassim Samih Seifeddine
20 مايو 2026•تحديث: 20 مايو 2026
بيروت / وسيم سيف الدين / الأناضول
- أم محمد للأناضول: تركنا بيوتنا وأرزاقنا وكل شيء خلفنا لكننا لم نتخل عن مساعدة الناس.. أعمل منذ الفجر والأطفال يمنحونني القوة للاستمرار، وما نقوم به عمل إنساني
على وقع الحرب والنزوح، حولت اللبنانية أم محمد زعيتر ما تبقى من فرنها المدمر في الضاحية الجنوبية إلى مبادرة إنسانية لإعداد المخبوزات وتوزيعها مجانا على النازحين داخل مخيمات العاصمة بيروت.
ومن داخل خيمة متواضعة على الواجهة البحرية لبيروت، تبدأ السبعينية يومها قبل الفجر، بإيقاد النار وإعداد العجين تجهيزا للمخبوزات، في محاولة لمساندة العائلات التي دفعتها الهجمات الإسرائيلية لترك منازلهم.
ورغم أنها واحدة من آلاف اللبنانيين الذين فقدوا بيوتهم وأرزاقهم جراء العدوان الإسرائيلي، اختارت أم محمد أن تواجه النزوح بطريقة مختلفة، عبر توفير الطعام للعائلات المحتاجة ومساندة النازحين.
وتقول أم محمد التي تبدو ملامح التعب واضحة على وجهها، إن فكرة المبادرة جاءت بعدما رأت حجم المعاناة داخل المخيمات، وعجز كثير من العائلات عن تأمين الطعام لأطفالها.
وتضيف للأناضول: "لم أستطع تحمل هذه الحالة، فبادرت بمساعدة النازحين بإمكاناتي البسيطة".
ويعيش نحو ألف نازح في تجمع الخيام بمنطقة "البيال" على الواجهة البحرية لبيروت، ضمن أكثر من مليون شخص نزحوا جراء العدوان الإسرائيلي على لبنان، وفق معطيات رسمية.
** نزوح متكرر
وتنحدر أم محمد من منطقة حدودية مع سوريا قرب الهرمل شرقي لبنان، وتقول إنها عاشت سنوات طويلة من التنقل والنزوح، بعدما اضطرت سابقا إلى مغادرة منزلها وأراضيها الزراعية بسبب الظروف الأمنية.
وتوضح أنها انتقلت لاحقا إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث استأجرت منزلا وفرنا صغيرا كانت تعمل فيه بصناعة المخبوزات "المناقيش"، قبل أن يتعرضا للدمار خلال العدوان الإسرائيلي الأخير.
وتقول: "تركنا بيوتنا وأرزاقنا وأراضينا وكل شيء خلفنا".
وتضيف أن كثيراً من العائلات التي وصلت إلى المخيم لا تملك حتى ثمن زجاجة مياه أو قطعة خبز، ما دفعها إلى إعادة تشغيل ما تبقى من فرنها رغم محدودية الإمكانات.
وتؤكد أم محمد أن المبادرة بدأت بإمكانات شبه معدومة، إذ اعتمدت في البداية على بعض المواد الأساسية المتوفرة لديها.
وتقول إنها بدأت بمقدار قليل من الدقيق، ومع مرور الأيام بدأت أعداد المستفيدين تزداد تدريجيا.
وتضيف: "ارتفع الإنتاج من عشرات قطع المناقيش إلى مئات توزع مجانا على النازحين".
وتوضح أن سكانا ومتطوعين وأصحاب محال تجارية بدأوا بتقديم المساعدة فور معرفتهم بالمبادرة، سواء عبر التبرع بالدقيق أو الزعتر أو الزيت أو الجبنة واللحوم.
** أعمل حتى الفجر
داخل الخيمة الصغيرة، تعمل أم محمد لساعات طويلة يوميا، غير آبهة بالتعب أو الإرهاق الجسدي.
وتقول إنها كانت تمضي الليالي الأولى وهي تعجن الطحين بيديها حتى ساعات الفجر، قبل أن تبدأ عملية الخَبز والتوزيع صباحا.
وتضيف: "كنت أنام ساعات قليلة ثم أستيقظ عند الثالثة فجرا، لقد أرهقني هذا العمل، لكن الأطفال هم من يمدوني بالقوة".
ورغم خسارتها مصدر رزقها، تؤكد أنها لم تفكر يوما في بيع الطعام أو تحقيق أي منفعة مادية من المبادرة، وأن ما تقوم به "عمل إنساني لوجه الله".
** ذكريات الأرض
وخلال حديثها، تستعيد أم محمد حياتها السابقة في بلدتها الحدودية، حيث كانت تملك أراضي مزروعة بأشجار الزيتون واللوز والعنب والمشمش والتفاح.
وتقول بحسرة: "تركنا أراضينا وبيوتنا وأشجارنا، كنا نعيش بخير، واليوم أصبحنا في خيمة".
وتشير إلى أن الحرب الإسرائيلية لم تدمر المنازل فحسب، "بل بددت حياة كاملة بناها السكان على مدى سنوات طويلة".
وتضيف: "البيوت دُمرت، وحتى أراضينا لم نعد قادرين على الوصول إليها".
** رسالة صمود وتكافل
ورغم قسوة التجربة، تصر أم محمد على التمسك بالأمل والدعوة إلى التضامن بين اللبنانيين.
وتقول: "علينا أن نبقى متحابين ومتكاتفين، سواء كنا نازحين أو في بيوتنا".
وترى أن التضامن الشعبي خفف قسوة النزوح على آلاف العائلات التي ما تزال عاجزة عن العودة إلى قراها بسبب استمرار القصف الإسرائيلي في مناطق جنوب لبنان.
ومنذ 2 مارس/ آذار الماضي، تشن إسرائيل هجوما موسعا على لبنان أسفر عن مقتل 3042 شخصا وإصابة 9301 آخرين، إضافة إلى نزوح أكثر من مليون شخص، وفقا لمعطيات رسمية.
وتسببت الهجمات الإسرائيلية على لبنان في موجات نزوح واسعة، دفعت آلاف العائلات إلى الإقامة داخل خيام ومراكز إيواء مؤقتة، وسط اعتماد متزايد على المبادرات الفردية والتكافل المجتمعي لتأمين الاحتياجات الأساسية.
كما يواجه النازحون أوضاعا معيشية صعبة وسط تضرر واسع للمنازل ومصادر الدخل، واستمرار التوترات الأمنية التي تعرقل عودة كثير من العائلات إلى مناطقها.
ورغم دخول هدنة حيز التنفيذ في 17 أبريل/ نيسان الماضي، وتمديدها 45 يوما حتى مطلع يوليو/ تموز المقبل، تواصل إسرائيل خروقاتها للاتفاق عبر قصف واستهداف مناطق جنوبي لبنان.