غزة/ الأناضول
- بعمق يقدر بين 200 و400 متر، على امتداد محور نتساريم الذي يمتد من جنوب شرقي مدينة غزة حتى المناطق الشرقية من المحافظة الوسطى، حسب شهود عيان للأناضول ..
- مع التوسعات الميدانية المتكررة وظهور ما يعرف بـ"الخط البرتقالي"، وهو خط غير معلن يتجاوز "الخط الأصفر" غربا ويستخدم في الخرائط المرسلة إلى المنظمات الإغاثية، ارتفعت نسبة السيطرة الإسرائيلية الفعلية من 53% عند بدء سريان وقف إطلاق النار إلى نحو 60 بالمئة من مساحة قطاع غزة حاليا.
وسع الجيش الإسرائيلي، الأحد، نطاق سيطرته الميدانية عبر تحريك "الخط الأصفر" الفاصل بين المناطق التي يحتلها والمناطق التي انسحب منها في قطاع غزة، في خرق جديد لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025.
وفوجئ السكان والمارة على شارع صلاح الدين، الطريق الرئيسي الذي يربط شمال قطاع غزة بجنوبه من الجهة الشرقية، بتقدم آليات عسكرية إسرائيلية غرب "الخط الأصفر" في منطقة محور نتساريم وسط القطاع.
ونقل مراسل الأناضول عن شهود عيان أن دبابات إسرائيلية، ترافقها جرافات ثقيلة من نوع "D9"، توغلت مئات الأمتار غربا، بعمق يقدّر بين 200 و400 متر، على امتداد محور نتساريم الذي يمتد من جنوب شرقي مدينة غزة حتى المناطق الشرقية من المحافظة الوسطى.
توغل غرب نتساريم
وأضاف الشهود أن الآليات الإسرائيلية أزاحت المكعبات الإسمنتية المطلية باللون الأصفر، التي كانت تمثل الحد الفاصل بين مناطق السيطرة، باتجاه الغرب، ما يعني توسيع مساحة الأراضي الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي.
وأظهرت مقاطع فيديو متداولة اقتراب المكعبات الإسمنتية من مسار المركبات على شارع صلاح الدين، ما تسبب بحالة من الذعر بين المواطنين وتوقف حركة السير لساعات، بالتزامن مع إطلاق نار كثيف وقصف مدفعي في محيط المنطقة.
وعقب إزاحة المكعبات الإسمنتية الصفراء غربا، انسحبت الآليات الإسرائيلية من المنطقة، غير أن الجيش أبقى سيطرته على المساحات التي تقدم إليها عبر إطلاق النار والقصف ومنع المواطنين من الاقتراب، بعد توسيع حدود مناطق سيطرته ميدانيا.
خطوط ملونة؟
و"الخط الأصفر" هو خط حدودي افتراضي حددته تفاهمات وقف إطلاق النار المبرمة في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، ويُشار إليه بمكعبات إسمنتية صفراء، ويفصل بين المناطق التي انسحب منها الجيش الإسرائيلي وتلك التي لا يزال يحتلها في القطاع.
ومع التوسعات الميدانية المتكررة، ومنها التوغل الأخير، وظهور ما يعرف بـ"الخط البرتقالي"، وهو خط غير معلن يتجاوز "الخط الأصفر" غربا ويستخدم في الخرائط المرسلة إلى المنظمات الإغاثية، ارتفعت نسبة السيطرة الإسرائيلية الفعلية من 53 بالمئة عند بدء سريان وقف إطلاق النار إلى نحو 60 بالمئة من مساحة قطاع غزة حاليا.
وبذلك، تعيد الخطوط الملونة الإسرائيلية تشكيل حياة أكثر من مليوني فلسطيني، وتفرض واقعا أمنيا وجغرافيا تتقلص فيه مساحة الحياة أمامهم، ويحشرون في مناطق أكثر ضيقا وسط ظروف أشد كارثية.
وتبعث الإجراءات الإسرائيلية مزيدا من المخاوف لدى الفلسطينيين الذين يعيشون بالقرب من تلك المناطق، ويتعرضون لإطلاق نار وقصف مدفعي وهجمات من الطائرات المسيّرة، ما يوقع قتلى وجرحى في صفوفهم بشكل شبه يومي.
تحذيرات أممية
وفي الأول من مايو/ أيار الجاري، قال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، إن إسرائيل وسعت نطاق احتلالها في قطاع غزة عبر إنشائها ما يسمى بـ"الخط البرتقالي"، داخل "الخط الأصفر" الذي انسحبت إليه في إطار المرحلة الأولى من خطة إنهاء الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2025.
وأضاف دوجاريك، في تصريح سابق للأناضول، أن لدى المنظمة خرائط تتضمن خطا ملونا آخر يسمى "الخط البرتقالي"، تم تقديمه للكوادر الأممية العاملة في مجال المساعدات الإنسانية.
وأوضح أنه تم إبلاغ الأمم المتحدة بضرورة قيام فرق المساعدات الإنسانية بتنسيق تحركاتها مسبقا مع إسرائيل عند تجاوز "الخط البرتقالي".
وأردف: "هذا الطلب يعد أيضا مؤشرا على أن المناطق التي تعتبر غير آمنة بالنسبة لنا تبعث على القلق".
كما اعتبر المتحدث الأممي ذلك "مؤشرا على أن الأمور لا تسير في الاتجاه الصحيح".
أكثر من نصف غزة تحت الاحتلال
وتبلغ المساحة الإجمالية لقطاع غزة نحو 365 كيلومترا مربعا.
وعند توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، كانت إسرائيل تحتل نحو 53 بالمئة من مساحة القطاع، تتركز معظمها في المناطق الشرقية والشمالية.
ومع التوسعات الميدانية المتكررة، ومنها التوغل الأخير في محور نتساريم، ارتفعت نسبة السيطرة الإسرائيلية الفعلية إلى ما يتجاوز 60 بالمئة من مساحة قطاع غزة، وفق تقديرات ميدانية.
ويعني ذلك أن إسرائيل تسيطر عمليا على أكثر من نصف مساحة قطاع غزة، رغم أن اتفاق وقف إطلاق النار نص على انسحابها من معظم مناطق القطاع.
وتشكل تلك الإجراءات هاجسا لدى الفلسطينيين من احتمال احتفاظ إسرائيل بالمناطق التي تحتلها بشكل دائم، في ظل سعيها لفرض واقع أمني وسياسي جديد بعد حرب الإبادة على القطاع.
ويرى مراقبون أن الإجراءات الميدانية المتسارعة تأتي ضمن خطط أمنية وعملياتية أقرتها المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، دون الأخذ بعين الاعتبار مسار المباحثات السياسية.
وما يعزز تلك الفرضيات تصريحات عدد من المسؤولين السياسيين والعسكريين في إسرائيل، الذين يرون في "الخط الأصفر" حدودا دائمة لإسرائيل.
ففي مطلع يناير/ كانون الثاني الماضي، ادعى رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، أن "الخط الأصفر" هو الحدود الجديدة لإسرائيل مع قطاع غزة.
وزعم زامير، في بيان أصدره الجيش الإسرائيلي، أن "الخط الأصفر يشكل خط حدود جديدا، وخط دفاع متقدما للمستوطنات، وقاعدة عسكرية لتنفيذ هجمات سريعة".
وفي منتصف فبراير/ شباط الماضي، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أن الجيش سيبقى في مناطق "الخط الأصفر" بغزة، و"لن يتحرك منها بمليمتر واحد حتى يتم نزع سلاح حركة حماس"، على حد قوله.
وفي 31 مارس/ آذار الماضي، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أن أكثر من نصف أراضي قطاع غزة باتت "تحت السيطرة الإسرائيلية"، مضيفا: "نحن من يهاجم ويبادر، ونحن من يفاجئ أعداءنا".
إجراءات ميدانية متسارعة وجمود سياسي
وبينما تسابق إسرائيل الوقت في إجراءاتها الميدانية لفرض وقائع جديدة على الأرض، تتعثر المساعي السياسية الهادفة للمضي قدما في اتفاق وقف إطلاق النار وفق خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
فخلال الأسابيع الماضية، جرت مباحثات مكثفة في العاصمة المصرية القاهرة برعاية أمريكية، لكنها لم تسفر عن تقدم ملحوظ يسمح بالعبور نحو المرحلة الثانية من الاتفاق، رغم الإعلان الأمريكي عن بدئها منتصف يناير/ كانون الثاني الماضي.
ووفق مصادر عديدة، تصطدم المباحثات باشتراط إسرائيلي لنزع سلاح حركة "حماس" والفصائل الفلسطينية قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية، بينما ترى الحركة أن على إسرائيل تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى قبل طرح قضية السلاح.
وجرى التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بعد عامين من حرب الإبادة الجماعية التي بدأتها إسرائيل في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 بدعم أمريكي، وخلفت أكثر من 72 ألف قتيل فلسطيني وأكثر من 172 ألف مصاب، إضافة إلى دمار هائل طال 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية، بتكلفة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.