Wassim Samih Seifeddine
09 أكتوبر 2026•تحديث: 09 أكتوبر 2026
بيروت/ وسيم سيف الدين/ الأناضول
انطلقت في العاصمة اللبنانية بيروت، الجمعة، فعاليات الدورة الـ67 لمعرض بيروت العربي الدولي للكتاب، بمشاركة 163 دار نشر محلية وعربية، وسط استمرار تداعيات الحرب الإسرائيلية والأزمات الاقتصادية التي أثرت في قطاع النشر والحياة الثقافية في البلاد.
وافتتح رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام المعرض في قاعة «سي سايد آرينا» على الواجهة البحرية للعاصمة، بحضور شخصيات رسمية وثقافية، بينها وزير الثقافة السوري محمد ياسين صالح، وفق مراسل الأناضول.
وينظم المعرض النادي الثقافي العربي بالتعاون مع نقابة اتحاد الناشرين في لبنان، ويستمر حتى 18 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، ويتضمن ندوات فكرية وأدبية، وأنشطة ثقافية وفنية، وحفلات لتوقيع الكتب.
ويشهد المعرض هذا العام مشاركة 163 دار نشر، بينها 23 دار نشر عربية، إلى جانب دور النشر اللبنانية، وفق ما أعلنته رئيسة النادي الثقافي العربي سلوى السنيورة بعاصيري، خلال مؤتمر صحفي مطلع أكتوبر الجاري.
وبحسب الموقع الرسمي للمعرض، يتضمن البرنامج نحو 90 فعالية ثقافية، بينها 61 ندوة و9 محاضرات، إلى جانب لقاءات وأمسيات شعرية وموسيقية وفعاليات تكريمية، فضلًا عن 10 أنشطة مخصصة للأطفال.
وتتناول الأنشطة موضوعات متنوعة، من بينها الأدب والرواية والشعر والتاريخ والسياسة والاقتصاد والذكاء الاصطناعي، بمشاركة كتاب وباحثين ومفكرين من لبنان ودول عربية.
كما يتضمن المعرض حفلات يومية لتوقيع الإصدارات الجديدة، وورش رسم وحكايات وأنشطة تربوية للأطفال، إلى جانب فعاليات تستحضر شخصيات أدبية وفكرية بارزة.
عودة بعد تأجيل بسبب الحرب
وتأتي الدورة الحالية بعد أن تسببت الحرب الإسرائيلية على لبنان في تأجيل الدورة الـ66، التي كان مقررًا تنظيمها في ديسمبر/ كانون الأول 2024، قبل إقامتها خلال الفترة من 15 إلى 25 مايو/ أيار 2025.
وافتتح رئيس الحكومة نواف سلام الدورة السابقة أيضًا، بمشاركة أكثر من 100 دار نشر ومؤسسة عارضة، في أول دورة تقام بعد الحرب التي شهدها لبنان عام 2024.
ووفق الموقع الرسمي للمعرض، تضمنت الدورة السابقة 60 ندوة وأكثر من 300 حفل توقيع و16 نشاطًا للأطفال، واستقطبت عشرات آلاف الزوار، بينهم أكثر من 10 آلاف طالب من مدارس وجامعات ومعاهد ومؤسسات تعليمية.
معرض بيروت العربي الدولي للكتاب
ويعود تاريخ معرض بيروت العربي الدولي للكتاب إلى عام 1956، عندما أطلقه النادي الثقافي العربي في قاعة «وست هول» بالجامعة الأمريكية في بيروت، قبل أن ينتقل بين مواقع عدة، ويستقر منذ عام 2004 على الواجهة البحرية للعاصمة.
سلام يدعو إلى استعادة دور بيروت الثقافي
وخلال افتتاح الدورة الحالية، دعا رئيس الحكومة نواف سلام إلى استعادة مكانة بيروت في صناعة الكتاب، ليس بوصفها امتدادًا لماضٍ مجيد فحسب، بل باعتبارها مركزًا متجددًا للإبداع والترجمة والنشر والحوار.
وقال سلام: «لا نهضة حقيقية من دون فكر حر، ولا دولة قوية من دون مواطنين أحرار».
وشدد على ضرورة أن يتجاوز المعرض كونه مناسبة سنوية لعرض الكتب وبيعها، ليصبح مساحة للقاء بين الأجيال والأفكار، ومنبرًا لطرح أسئلة جديدة، ومحفزًا لمبادرات تعزز حضور القراءة والمعرفة طوال العام.
وأشار إلى أن الأزمات المتلاحقة التي شهدها لبنان، من الانهيار الاقتصادي وانفجار مرفأ بيروت إلى الحروب والنزوح وهجرة الكفاءات، أثرت في قطاع النشر والحياة الثقافية.
ولفت إلى أن المشهد الثقافي اللبناني يجمع بين صعوبات تواجه دور النشر والمكتبات، ومظاهر حيوية تتمثل في صدور كتب جديدة، وظهور مبادرات ثقافية، واستمرار اهتمام الشباب بالقراءة والكتابة.
واعتبر أن الصمود وحده لا يصنع نهضة، موضحًا أن الصمود يحفظ ما تبقى، بينما تخلق النهضة ما لم يكن موجودًا.
وأكد أن النهوض الثقافي يتطلب صناعة نشر قادرة على التطور، ومكتبات متجددة، وحركة ترجمة فاعلة، واستثمارًا جادًا في التربية والثقافة.
الكتاب والذكاء الاصطناعي
وفي حديثه عن التحولات التكنولوجية، قال سلام إن قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج النصوص خلال ثوانٍ لا تقلل من أهمية الكتاب، بل تزيد الحاجة إلى التفكير النقدي والتمييز بين الرأي والمعلومة، والحقيقة والتضليل.
وأضاف أن التكنولوجيا تستطيع توفير ملايين المعلومات، لكنها لا تعفي الإنسان من مسؤولية التفكير، ولا تحل محل الضمير الإنساني والخيال المبدع.
وأوضح أن الكتاب لم يفقد مكانته، رغم التحولات التي طرأت على عادات القراءة ووسائل النشر وطرق وصول المؤلفين إلى القراء.
ودعا إلى توفير فضاء ثقافي وإعلامي يتيح النقاش الحر، ويشجع السؤال والمساءلة، ويواجه خطاب الكراهية والتضليل، من دون الخوف من النقد أو إسكات الأصوات المخالفة.
وشدد على أن النهضة الفكرية والثقافية ليست ترفًا يمكن تأجيله إلى ما بعد الإصلاح السياسي والاقتصادي، بل أحد شروط نجاح هذا الإصلاح واستدامته.
وقال إن الثقافة والكتاب لا يستطيعان بمفردهما وقف الحروب أو إعادة إعمار القرى أو إصلاح الاقتصاد، لكن الأفكار تصنع الخيارات، والخيارات ترسم مصائر الشعوب.
السيادة وإعادة الإعمار
وفي الشأن السياسي، أكد سلام أن النهوض بلبنان يتطلب استعادة سلطة الدولة وإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية ومؤسساتية، إلى جانب إعادة إعمار المناطق المتضررة جراء الحرب.
وشدد على أن استعادة سيادة الدولة تقتضي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية ووقف الاعتداءات، وضمان عودة النازحين إلى منازلهم «عودة آمنة وكريمة»، وإعادة إعمار قراهم ومدنهم.
وأكد ضرورة وجود دولة تملك وحدها قرار الحرب والسلم، ومؤسسات فاعلة قادرة على ترسيخ العدالة والمساواة وسيادة القانون.
واختتم سلام بالتأكيد على أن النهوض بلبنان مسؤولية وطنية مشتركة، تشمل الحكومة والجامعات والمدارس والمؤسسات الثقافية والمجتمع المدني، معربًا عن تطلعه إلى استعادة البلاد ثقتها بطاقاتها وقدرتها على التغيير.
وقال إن بيروت، رغم الأزمات والمحن، «ستبقى مدينة للحياة وعاصمة للكلمة الحرة ومنارة عربية».