الأناضول - حلب
خديجة الزغيمي
ما أن تصل إلى مبنى محكمة مدينة "الباب"، حتى تشعر بالظرف الطارئ الذي تعمل في إطاره، إذ يقف مقاتلو الجيش الحر بأسلحتهم على البوابة، في حين تطالب اللافتات المعلقة المواطنين، بتسليم سلاحهم قبل دخول المبنى.
داخل المبنى تسير الأمور بشكل طبيعي إلى حد كبير، إذ تجد أحد أصحاب الدعاوى يبحث عن محام، في حين يسأل آخرعمن يقوم بختم المعاملات، فيما يتجمع كبار رجال المدينة في مكتب رئيس المحكمة، يرتشفون الشاي، ويناقشون شؤون مدينتهم؛ إلا أن نظرة خاطفة إلى البلاستيك الشفاف الذي يغطي النافذة، بدلا من الزجاج الذي حطمه القصف، وقشعريرة البرد التي تسري في أوصالك، بالغرفة التي تعوزها التدفئة، سرعان ما تُعيدنا إلى أجواء الحرب التي تعيش في ظلّها المدينة.
مهام المحكمة
يتحدث رئيس المحكمة بتحفظ شديد، عن طبيعة العمل بها، إذ يبدو أن لا ثقة لديه في الصحفيين. تنقسم المحكمة، كما يشرح رئيسها باقتضاب، إلى "محكمة المصالحة"، و"المحكمة الشرعية"، التي تبتُ في قضايا الزواج والطلاق والميراث، إلى جانب "المحكمة الجزائية"، و"المحكمة العسكرية"، التي تختص بالنظر في المخالفات التي يرتكبها أفراد الجيش الحر.
كما يضم مبنى المحكمة سجنًا، يوضع فيه المحكوم عليهم بأحكام قصيرة، في حين يرسل المحكوم عليهم بأحكام طويلة المدى، إلى السجن المركزي لحلب، في قرية "الراعي".
وأكد رئيس المحكمة، في تصريحه لمراسلة الأناضول أنّ "المحكمة أصدرت أحكام بالإعدام ونفذّتها، كونها تُصدر مختلف الأحكام وفقا لنوع الجريمة المرتكبة".
مشكلة الكهرباء
حين انضمّ إلينا "الشيخ علي"، وهو أحد أعضاء المحكمة والمجلس المدني للباب، وشاركنا الحوار، بدى أكثر استعدادًا للحديث، عن احتياجات المدينة والمشاكل التي تُواجهها. وأبرزها مشكلة الكهرباء، التي ترتبّت عن تعطل أحد المحولين الرئيسيين، اللذين تعتمد عليهما المدينة للتزوّد بالطاقة الكهربائيّة، ولم يُخفِ "الشيخ علي" مخاوفه من تعطل المحول الثاني، بسبب زيادة الضغط عليه، فبالرغم من أن مجلس المدينة يُنظم تزويد أحياء مدينة "الباب" بالكهرباء بالتناوب، إلا أنه يظل العبء كبيرا على محوّل الكهرباء الوحيد.
مجلس المدينة
توجهنا إلى مقرّ المجلس المدني لـ "الباب"، بغية التعرف أكثر على طبيعة مهامه؛ فوجدناه أكثر حميمية، حيث المدفأة تعمل، والجميع يتحدث بأريحية دون توّجس من الصحافة أو من الكاميرا.
يتكون المجلس، كما يقول رئيسه "أحمد كرز"، من 27 عضوا، وتسعى إدارة المجلس لتوسيعه، لكي يضم لاحقًا 48 عضوا، بهدف تمثيلٍ أوسع لسكان المدينة. وجرى تأسيس المجلس في يوليو/ تموز الماضي، تزامنًا مع سيطرة الثوّار على المدينة، وتم اختيار أعضائه بالتوفيق بين ترشيحات أهالي المدينة والجيش الحر.
ويصف أحمد مجلسه بأنه حكومة مصغرة تدير شؤون المدينة، حيث يتوزع أعضاؤه على عدة مكاتب، مسؤولة عن تنظيم جوانب مختلفة من الحياة في المدينة. فالمكتب الإغاثي، مسؤول عن توزيع المساعدات القادمة للمدينة، ولديه قائمة بأسماء السكان المحتاجين للمساعدة، وعائلات الشهداء والجرحى، ويتمّ توزيع المساعدات على أساس هذه المُعطيات. كما يعمل المكتب المالي على توفير التمويل للمجلس ليتمكن من أداء مهامه، أمّا المكتب الصحي فيقوم بالإشراف على مُستشفيات المدينة، والتعاون مع الوفود الطبية التي تأتي إليها، ويسعى لتأمين جزء من احتياجات المستشفيات من مادة المازوت الضرورية لتشغيل المولدات الكهربائية.
نصف المدارس مدمرة
ويحاول المكتب التعليمي، التعامل مع المشاكل التي تُعيق انتظام التعليم في المدينة، إذ تدمرت تقريبا نصف مدارس "الباب"، وتبلغ نسبة انتظام التلاميذ في النصف المُتبقي من المدارس ما بين 20 إلى 50%، بسبب تخوف الأهالي من استهداف المدارس، خاصة مع تعرّض مدرستين للقصف الأسبوع الماضي. كما تُعاني المدارس من عدم انتظام المعلمين، لذا يسعى "مصطفى تمرو"، المسؤول عن المكتب التعليمي في المدينة، لإقناع المعلمين بالانتظام في العمل، وأسّس تجمّعًا للمعلمين الأحرار، يهدف للتضامن مع المعلمين ممّن أوقف النظام رواتبهم.
من ناحية أخرى، يقدّم المجلس دعمًا للبلدية لتسهيل أداء مهامها.
ويؤدي المجلس مهامه، بالقدر الذي يسمح به التمويل الذي يحصل عليه، من التبرعات، ويمكن فهم حجم العبء الملقى على عاتق المجلس، عندما نعرف أن الباب هي ثاني أكبر مدينة في المحافظة بعد العاصمة حلب. حيث يقدر عدد سكان مدينة الباب بـ 170 ألف نسمة، في حين يقدر عدد سكان منطقة الباب شاملة الريف بنصف مليون نسمة.