الأناضول- إدلب
خديجة الزغيمي
زارت الأناضول مخيم "أطمة" للاجئين السوريين، وعاينت الأوضاع الصعبة، التي جعلت كثير منهم يفضل العودة إلى دياره، رغم خطر القصف ونقص الاحتياجات الأساسية، تاركاً قسوة حياة اللجوء والنزوح.
الجو في المخيم، هو بالفعل ذاك الجو الذي يصاحب الكوارث، فقد اجتمعت على سكانه، بالإضافة لكارثة الحرب والنزوح، قسوة العوامل الطبيعية من برد ومطر.
حين دخلنا المخيم في يوم تالٍ لسقوط المطر، وجدناه وقد تحول إلى مستنقع كبير من الطين، يحتاج إلى مهارة كبيرة للخوض فيه. معظم من فيه يرتدي أحذية بلاستيكية طويلة العنق، مغطاة بطبقة كاملة من الطين، الذي يلطخ الملابس أيضا، فيما يصل الطين بشكل ما إلى وجوه الأطفال وشعورهم.
يتطلب الحصول على أبسط مقومات الحياة في المخيم مجهودا كبيرا، لا يتكلل بالنجاح دائما، فالماء يأتي في صهاريج، معبأة من الآبار التي تم حفرها في الأراضي الزراعية المجاورة.
وتروي "منار"، إحدى ساكنات المخيم، معاناتها اليومية للحصول على الماء، بقولها: "تتوقف العربات المحملة بالصهاريج في الطرق الرئيسية للمخيم، ويكون علينا نحن الساكنات في الخيام البعيدة، أن نقطع يوميا رحلة شاقة، تنتهي بجلبنا ما يمكننا حمله من الماء، وهو لا يكفي لقضاء احتياجات أسرنا."
بين دفء النار وخطرها
كل شيء في المخيم ، يتم القيام به بالوسائل البدائية. الملابس تُغسل باليد في أوعية كبيرة، الاستحمام أيضا يتم في الخيام داخل تلك الأوعية، الإنارة تعتمد على الشموع، والمشكلة الأكبر في التدفئة، حيث يحتار أهالي المخيم بين الرغبة في دفء النار، والخوف من الدمار والموت الذي قد تأتي به.
في الأيام شديدة البرودة لا يجد الأهالي بداً من اللجوء للنار، داعين الله أن لا تريهم وجهها المدمر. لكن الأمر لا ينتهي بعد اتخاذ هذا القرار الصعب، إذ تبدأ رحلة البحث عن الحطب، من أجل إشعال المدفئة. مصدر الحطب، كما قالت لنا "بيداء"، مشيرة إلى أكوام أغصان الأشجار، الموجودة بجانب الكثير من الخيم، هو أشجار الغابات أو حتى، مع الأسف، أشجار الزيتون. يجمعها أهالي المخيم بأنفسهم، أو يقوم بجمعها أناس امتهنوا هذه المهمة كمصدر للقمة العيش، ومن ثم يبيعونها لمن يمتلك ما يكفي من المال.
أخبرنا مرافقنا "رامي"، أن غابات بأكملها دمرت، وأن عددا من مزارع الزيتون تعرضت لأضرار كبيرة، إلا أن أصحابها لا يمكنهم منع الناس من حماية أنفسهم من الموت بردا.
رحلة الحصول على الطعام
الحصول على الطعام، في المخيم، حكاية أخرى. تحاول الهيئات الخيرية التركية، سد حاجة أهالي المخيم من الطعام، ولكن مالديها لا يكفى سكان المخيم الذين وصل عددهم إلى 17 ألفا، وهو في زيادة مستمرة.
صباحا توزُع أكياس تحتوي على عبوات صغيرة من الزبد والجبن والعسل والمربى، بالإضافة إلى الزيتون، إلا أن الجميع لا يتمكن من الحصول عليها. ويتولى مطبخ المخيم إعداد وجبة الغداء، حيث ينتظر على بابه جمع غفير من الأهالي، أغلبهم من الأطفال، وفي يد كل منهم ما تيسر من الآنية لاستلام نصيبه من الطعام فيه. انتظار قد يطول كثيرا، إذ قد لا يكفي الطعام المطبوخ الجميع، وبالتالي يضطر من لم يحصل على نصيبه بعد، للانتظار حتى يعد العاملون في المطبخ كمية أخرى من الطعام.
شاهدنا خلال جولتنا، عددا من أهالي المخيم، يجمعون عشب "الخبيزة" الذي ينبت في الأراضي المجاورة للمخيم، لطبخه، في محاولة منهم للتغلب على نقص الطعام الموزع. البعض الآخر، ممن يمتلك مالا، تمكن من إحضاره معه، أو كسبه من عمله في القرى المجاورة في قطاع البناء أو غيره، يشترى الخضروات التي تباع في المخيم أو قرية أطمة المجاورة، وتقوم السيدات بطبخه.
هكذا تمر نهارات قاطني مخيم أطمة الذين يشكل الأطفال والنساء النسبة الأكبر منهم. تمضي في كفاح مستمر من أجل الحفاظ على حياتهم، التي هربوا بها من طائرات جيش الأسد ومدافعه وقناصته.
وعندما يبدأ النهار في لفظ أنفاسه الأخيرة، يبدأ دخان الحطب، في الخروج من مداخن المدافئ التي تعلو كثيرا من الخيام، مشكلا غيمة تغطي سماء المخيم، تحمل الدفء، إلا أنها تحمل كذلك خطرا جديدا على الحياة لا بد من أخذ الحذر منه.