تميم عليان
القاهرة- الأناضول
تتنوع مطالب المحتجين في مصر من مدينة إلى أخرى ومن ميدان لآخر، يغلب عليها الطابع الاقتصادي حينا وتختلط بمطالب سياسية أحيانا أخرى، لكن يبقى "الإحباط" واحد وهو "وقود" تلك الاحتجاجات.
"البلد حالها وقف".. عبارة رددها بصوت مرتفع المصري عماد الطويلة (54 عاما) وهو يجلس على مقهى بوسط القاهرة، تعليقا على مظاهرة مرت من أمامه تنادي بإسقاط النظام، غير أنه ما لبث أن قوبل برد غاضب من محمد أحمد (15 عامًا)، أحد المشاركين فيها، قائلا "نحن نريد أن نوقفها".
محمد، الذي يرتدي ملابس بسيطة ويقطن حي النهضة، أحد الأحياء الفقيرة الواقعة على أطراف القاهرة، ذهب مع المحتجين إلى محطة مترو الأنفاق ونزل إلى القضبان معهم لوقف حركة القطارات في محاولة لفرض العصيان المدني بالبلاد، فقابلتهم هتافات الركاب: "بلطجية.. بلطجية".
يتهم محمد، متحدثا لمراسل وكالة الأناضول بلغة بسيطة تدل على خلفيته الاجتماعية البسيطة، الرئيس محمد مرسي بأنه "لم يخفض أسعار السلع ولم يحسن الأحوال المعيشية"، ويرى هو وبقية المحتجين أن "العنف والفوضى" هما الحل حتى تستجيب الحكومة للمطالب التي يرفعونها.
لكن لجوء المتظاهرين في القاهرة والمدن الأخرى إلى غلق المنشآت الحكومية وقطع الطرق وخطوط المترو، في إطار الاحتجاجات المناهضة للرئيس المصري وجماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها، أفقدهم تعاطف قطاعات واسعة من المصريين الذين يلومونهم على تدهور أوضاعهم الاقتصادية في ظل الاضطراب السياسي الذي تشهده البلاد.
ويقارن المصريون بين المتظاهرين الموجودين في ميدان التحرير الآن، والذي ينتمى جزء كبير منهم إلى الطبقات المعدمة، وأولئك الذين أسقطوا الرئيس السابق حسني مبارك في ثورة يناير/كانون الثاني 2011 والذي كان ينتمي أغلبهم للشباب من الطبقة الوسطى.
يقول عماد الطويلة لمراسل الأناضول: "الناس أحوالها متدهورة وبعض هؤلاء المتظاهرين بالميدان بلطجية وبعضهم أتى من خارج القاهرة، لا حل سوى أن ينزل الجيش لإنهاء هذه الفوضى"، بحسب قوله.
أما سامح المصري، مبرمج وناشط بالميدان، فيدافع عن المتظاهرين قائلا: "الميدان به مواطنون من كافة الطبقات لهم حقوق ومطالب، أطفال الشوارع - أو الأطفال بلا مأوى الموجودين - أباهم هو الدولة وهي المسؤولة عنهم ومشاركتهم في المظاهرات هي محاولة للفت الانتباه إليهم".
ويضيف المصري أن "الفقراء هم ضحايا نظام مبارك الذي دام ثلاثين عامًا ولا أستطيع مطالبتهم الرحيل عن الميدان"، مؤكدًا أن "الهدف واحد ولكن آليات التنفيذ تختلف من كتلة لأخرى (..) البعض أصبح لا يرى إلا العنف لأن النظام هو من بادر به".
وترفع المعارضة المصرية مطالب: إقالة الحكومة وتشكيل حكومة إنقاذ، وتعديل الدستور المستفتى عليه، كما تشارك بعض أحزابها في التظاهرات إلا أن أجندة المتظاهرين تبدو مختلفة حيث لا يعترف كثير منهم بالأحزاب، وإن اشتركوا معهم في بعض مطالبهم.
يقول فادي محمد، أحد المتظاهرين بالميدان، "كنت أعمل سائق قبل الثورة ولكن مع الظروف الاقتصادية خفض صاحب العمل راتبي إلى النصف فاضطررت إلى أن أبحث عن عمل إضافي آخر لكن عندما علم صاحب العمل طردني وأنا الآن عاطل".
ويضيف محمد أنه لا ينتمي لأي حزب ولا يعترف بهم بعد أن خذلوه في كثير من المواقف، مشيرًا إلى أنه صوت لصالح مرسي في انتخابات الرئاسة وكان "يأمل في أن يفعل شيئا وأن تقل البطالة طبقا لوعوده لكنه لم يحقق شيئا ومشروع النهضة (برنامج مرسي أثناء خوضه الانتخابات الرئاسية) اتضح أنه وهمي"، ولذلك هو في الميدان يتظاهر مطالبًا برحيله.
أما صلاح متولى، موظف بهيئة النقل العام، فيقول: "أنا أصغر ثلاثة إخوة، ويجب أن أنفق على نفسي ولكني بلا عمل حيث إن الهيئة لم توظفنا رغم تلقينا تدريب السائقين. كنا أسرة تنتمي للطبقة الوسطى قبل الثورة أما الآن فنحن تحت الأرض".
وعلى الرغم من اعترافه بأن كثيرًا من أفعال المتظاهرين تفقدهم شعبيتهم، يؤمن سامح المصري بأن العصيان المدني سيؤتي ثماره بعد أشهر قليلة، لافتا إلى أن الفقراء والمتضررين اقتصاديا هم وقود المظاهرات ومطالبهم الاجتماعية تتحول لمطالب سياسية سريعا حين لا يستجيب المسؤولين، على حد ما يراه متولي.
موظف هيئة النقل العام اختتم حديثه لمراسل الأناضول، قائلا: "لن يحدث استقرار إلا حينما يكون هناك عدل".
ويرجع الخبراء سلوك المتظاهرين وتصاعد العنف للإحباطات الاقتصادية والاجتماعية التي تنامت أكثر بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني التي طالب المصريون حينها بالعدالة الاجتماعية وتوفير ظروف كريمة للحياة وهو ما لم يتحقق حتى الآن، وفقا لما يراه قطاع كبير في البلاد.
يقول محمد محمود نجيب، أستاذ علم النفس السياسي بجامعة حلوان، إن "الإنسان المصري تعرض لضغوط لمدة 60 عامًا ومن الممكن أن يتجه نحو العنف باعتباره أعلى درجات الإحباط بعدما لم يتوفر له الحد الأدنى من الحياة الكريمة".
وتوقع نجيب "زيادة العنف وأن يأخذ صور خطيرة"، مشيرًا إلى أن الحل يأتي عبر "إشباع حاجات الناس وتوفير الحد الأدنى من الحياة"، كما يقول.
وتسبب طول المرحلة الانتقالية التي أعقبت تنحي مبارك وتولي المجلس العسكري إدارة شؤون البلاد خلال الفترة من 11 فبراير/شباط 2011 إلى يونيو/تموز 2012، وما تخللها من اضطرابات سياسية استمرت بعد تولي مرسي الحكم، في خسائر كبيرة للاقتصاد المصري بهروب المستثمرين وكساد السياحة وانخفاض احتياطي النقد الأجنبي، وهو ما أدى إلى ارتفاع الأسعار ومعدلات البطالة ما زاد من الغضب الشعبي.
وتشهد مصر خلال الأسبوعين الماضيين دعوات متصاعدة بتنظيم عصيان مدني في عدة مدن كنوع من الاحتجاج على النظام الحالي، رافعين مطالب بإلغاء الدستور المستفتى عليه - أو تعديله - وتشكيل حكومة إنقاذ وطني.
فيما يطالب بعضهم بإسقاط الرئيس مرسي بسبب ما يصفونه بـ"العنف المفرط" من قبل قوات الأمن في التعامل مع المتظاهرين في عدد من المدن من بينها بورسعيد، المدخل الشمالي لقناة السويس، التي شهدت مقتل أكثر من 40 شخصًا في احتجاجات انطلقت أواخر شهر يناير/كانون الثاني ولازالت مستمرة حتى اليوم.