تصوير : صلاح ملكاوي
ليث الجنيدي
رعتها العناية الإلهية، وأنقذتها أيادي القدر، وتجلت المعجزات السماوية لتقف حاجزًا منيعًا بينها وبين موت محتم.
إنها السيدة السورية "أم نبيل" في نهاية العقد الثاني من عمرها وأم لأربعة أبناء أكبرهم لا يتجاوز 4 أعوام، ومن سكان محافظة درعا جنوب سوريا، والتي روت لمراسل الأناضول قصة قهرها لجيش نظام بشار الأسد.
ورغم أمية "أم نبيل" الثقافية فإن "كثرة القتلى والدماء وانتهاكات دور العبادة التي وقعت أمام عينها من قبل جيش بشار الأسد في محافظة درعا - مسقط رأس زوجها - من غير منجد ولا مسعف، دفعها لأن يكون لها دور واضح في مسيرة الثورة السورية"، بحسب حديثها لمراسل الأناضول.
أم نبيل لم تتأخر لحظة عن الالتحاق بدورة للتمريض نظمتها مجموعة متخصصة في درعا، هدفها زيادة عدد المسعفين والمسعفات للجرحى الذين توفي عدد كبير منهم لعدم وجود من يوقف نزيفهم الدموي.
وبمجرد مرور يومين على تلك الدورة التدريبية حتى أصبحت "أم نبيل" فريق طبي بنفسها، تحمل حقيبتها لتوقف صراخ الألم لكل جريح، رجالا ونساء، أطفالا وكبارا، وفي كل مكان من محافظة درعا.
وما أن تسمع صوتا للرصاص أو قصفا مدفعيا، تخرج "أم نبيل " تاركة زوجها وأطفالها، مودعة لهم وداع الموت، باحثة عن جرحى مدنيين وعناصر من الجيش الحر لتحاول إسعافهم من أية إصابة تعرضوا لها.
ومع مرور الأيام ذاع صيتها ليصل جيش النظام، الذي أدرك أن هذه المرأة الشابة تحرمه من الفتك بأهالي درعا والجيش الحر، على حد قولها.
وفي نهاية شهر رمضان الماضي (سبتمبر/أيلول 2012) سقطت قذيفة نظامية في حي العباسية بدرعا، بين تسعة عناصر من الجيش الحر لتقتل خمسة على الفور وتجرح أربعة آخرين، وعند سماع "أم نبيل" ذلك أرادت الخروج كعادتها، لكن زوجها حاول منعها خوفا على حياتها لأن القصف كان يشتد دقيقة بعد أخرى.
أم نبيل لم تصغ لزوجها، وأصرت على الخروج لإغاثة أولئك الجرحى، بحسب حديثها.
مشاعرها الإنسانية، وإيمانها بدور المسعف في كل الظروف، دفعها لركوب إحدى السيارات طالبة من سائقها أن يوصلها إلى الجرحى الذين ينتظرون، وما إن ركبت تلك السيارة حتى انطلقت رصاصة أحد القناصة واستقرت في رأسها.
مضت خمس وأربعون دقيقة والدماء تنهمر من رأسها، لأن رصاص القناصة حال دون الوصول إليها، إلى أن قام أحد المدنيين بفتح باب السيارة بواسطة قضيب طويل من الحديد وسحب أم نبيل خارجها.
بعد ساعات طويلة من القصف ساد الهدوء وبدأت عناصر الجيش الحر والمدنيين بجمع الجثث لدفنها، بما فيها جثة "أم نبيل"، وهنا تجلت العناية الإلهية، حيث تبين لإحدى النسوة الحاضرات بأن نفس "أم نبيل" لم ينقطع ولا زالت على قيد الحياة، وتم إسعافها على الفور لكنها كانت في غيبوبة تامة لا تعي أي شيء حولها.
وسعى الجيش الحر لإنقاذ "قاهرة الأسد" التي لقبت نفسها بذلك، من بطش جنود النظام، فأخرجوها للأردن حيث تم إسعافها بأحد المستشفيات من الرصاصة ومن غيبوبتها التي دامت 11 يومًا، بحسب تعبيرها.
وعقب علاجها عادت لأسرتها يعيشون بمنزل مستأجر في مدينة الرمثا (شمال الأردن) وما زالت الرصاصة مستقرة في رأسها، حيث إنه إن تم إخراجها فستعيش مشلولة الأطراف بقية حياتها، وإن لم تخرج فحياتها ستكون طبيعية على الرغم من بعض الكسل في أطرافها السفلية، بحسب ما ذكر الأطباء لها.
"قاهرة الأسد" لا تشعر بإعاقتها -وفق روايتها- ومصممة على دعم أبناء وطنها من مقاتلي الجيش الحر والمدنيين الأبرياء، حيث أنشأت صندوقا للتبرعات، لتسهم في إرسال المواد الطبية للداخل السوري، مؤكدة إصرارها على العودة إلى سوريا لتقهر الأسد وجنوده مرة أخرى.