الأناضول- حلب
خديجة الزغيمي
مدينة الأتارب، إحدى المدن التي تم تحريرها في محافظة حلب، ولم يعد يتواجد فيها جيش النظام، بعد سيطرة الجيش الحر على المدينة في يوليو/تموز الماضي، إلا أن آثار جيش الأسد لا تزال واضحة، سواء في الدمار الذي حل بأجزاء كبيرة من المدينة، أو في أصوات القصف المدفعي التي ترد من حين لآخر من المدرسة العسكرية، التي لا تزال بقايا من جيش النظام تتحصن بها ويحاصرها الثوار، ويمكن لقذائفها أن تصل المدينة بسهولة.
دخلنا الأتارب صبيحة الجمعة، اصطحبنا الناشط الإعلامي في منطقة الأتارب، "أحمد عبيد"، أولا لزيارة الفوج 46، الذي سيطر عليه الجيش الحر، خلال معارك تحرير المدينة، وأسر عددا من ضباطه، بينهم نقيب، أعلن الثوار أنهم يسعون لمبادلته، إلا أنهم لم يلقوا ردا حتى الآن من جانب النظام.
ما أن نزلنا من السيارة وجهزنا معداتنا لبدء التصوير، حتى بدء القصف من المدرسة العسكرية. في البداية أكمل مرافقنا حديثه معنا، كأن شيئا لا يحدث، وبدا قلقنا نحن الذين نسمع لأول مرة في حياتنا أصوات القصف، مبالغ فيه، ولكن مع القذيفة الثانية التي كان صوتها أقرب بكثير من الأولى، سادت حالة من الاستنفار في المكان، وطُلب منا أن نجمع معداتنا، وفي لمح البصر أركبونا السيارة، وانطلقنا لا نلوي على شيء.
مقبرة الدبابات
المحطة الثانية كانت المبنى الذي كان مقرا للناحية والمخفر، وتحول إلى مقر عسكري أثناء تواجد الجيش النظامي في المدينة، ومن ثم بات مقر الشرطة والمحكمة والسجن بعد سيطرة الثوار. آثار المعارك التي دارت هنا تركت بصمات واضحة على واجهة المبنى، وحتى داخل غرفه، التي باتت جدرانها مرصعة بثقوب الرصاصات. وبجانب المبنى، ترقد الدبابات التي ظن عساكر النظام أنها ستحميهم، فكان أن أصبح لها هي الأخرى مثوى أخير يطلق عليه مقبرة الدبابات.
أشار لنا "عبيد" إلى شابين يعملان في المخفر، ويرتديات قمصان مكتوب عليها "سورية أمن الثورة"، كان هاذين من أسرى الفوج 46، إلا أنه تم الإفراج عنهما، ومن ثم قررا البقاء مع الثوار.
أسرى الجيش النظامي
سألنا عن الكيفية التي يتم على أساسها اتخاذ القرارات بشأن مصير الأسرى، من الذي يتم الإفراج عنه، ومن يُطلب فداؤه، ومن يسجن، ومن يحكم بإعدامه. كانت الإجابة، أن تحقيقا موسعا يجري، يشمل استجواب الأسرى، وفحص أوراق توزيع المهام التي يُعثر عليها في الموقع العسكري الذي يتم الاستيلاء عليه. وهكذا يُعرف إن كان الأسير ساهم في مهمات عسكرية أم لا، وإن كانت المناطق التي خرج إليها في مهمات عسكرية قد شهدت مذابح واعتداءات، كما تفحص خزانات ذخيرته، لمعرفة كم الرصاصات التي أطلقها، وبناء عليه يتم اتخاذ القرار بشأن مصير الأسير.
وتتولى محكمة الأتارب، إصدار الأحكام على الأسرى، كما على المتهمين في مختلف أنواع الجرائم. وتتكون كما يشرح "أبو محمد"، أحد قضاتها، من 5 قضاة، أربعة منهم دارسون للشريعة، والخامس محامي. وتضطلع بالشؤون القضائية لمنطقة الأتارب التي تضم 33 قرية، بالإضافة لقرية "باب الهوى"، التابعة لمحافظة إدلب.
"نقضي بشرع الله"
يقول "أبو محمد" إن المحكمة تقضي بشرع الله، إلا أن هناك تعطيلا للحدود، لعدم معرفة الناس بها، وبسبب الظرف الذي تعيشه البلاد.
ويرى أن طبيعة الثورات تحتم أن تكون هناك خروقات وأخطاء، وأنه لا يمكن محاسبة جميع المخطئين بشكل كامل في ظل الأوضاع الحالية، لذا تحاول المحكمة "أن تصلح ما استطاعت إلى ذلك سبيلا"، دون أن يكون ذلك السبيل بالضرورة إصدار الأحكام، فمثلا في حال ارتكب شخص ذو منصب عسكري كبير مخالفات، ولم يكن من الممكن محاكمته، قد يتم التشهير به في الجريدة المحلية وعلى منابر المساجد.
ويؤكد "أبو محمد" على ضرورة أن تكون المحكمة أكثر صرامة مع عناصر الجيش الحر لكي "يتأدبوا مع الآخرين". وأخذ قضاة المحكمة، تعهدات من قادة الجيش الحر في المنطقة، حتى يضمنوا تنفيذ أحكامهم المتعلقة بعناصرهم.
ورغم الظرف الطارئ الذي تعمل به المحكمة، أو ربما بسببه، أصدرت محكمة الأتارب عددا من أحكام الإعدام، ويعترض "أبو محمد" على تحفظ بعض محاكم المنطقة، مثل المحكمة العليا في حلب على إصدار أحكام الإعدام، إذ يرى أن لا سبيل للتعامل مع من يقومون بقتل الناس سوى الحكم بإعدامهم قصاصا على ما أزهقوه من أرواح. لكنه في نفس الوقت يشير إلى تنفيذ ثلاثة أحكام إعدام فقط خلال 8 أشهر من عمل المحكمة، في حين يُرجأ تنفيذ أحكام أخرى أملاً في حدوث مصالحة أو مقايضة.
وكان من المخطط أن نحضر المظاهرة التي ينظمها أهالي المدينة كل جمعة، إلا أنها أُلغيت تخوفا من أن يتم قصفها، مع اشتداد الاشتباكات عند المدرسة العسكرية. أخبرنا أحدهم أن "الإسلاميين" خرجوا بمظاهرة، أردنا حضورها، لكننا لم نجد سوى شاحنة صغيرة مزودة بميكروفونات، تجوب شوارع المدينة، ناشرة في أجوائها، أناشيدا إسلامية حماسية.
لدى خروجنا من المدينة، قابلنا مجموعة من الشباب، في طريقهم للمشاركة في الاشتباكات عند المدرسة العسكرية، بدت عليهم الحماسة، ولم يظهر أن أيا منهم يلقي بالاً لإمكانية أن يفقد حياته في هذه المعركة. نقلنا الحديث معهم، من ساحة إدارة تفاصيل الحياة اليومية، والتظاهر السلمي التي عشناها في المدينة، إلى أجواء الحرب التي لا تزال تدور رحاها في العديد من المواقع العسكرية في ريف حلب، وتصل أثارها من حين لآخر لأولئك الذين يحاولون تسيير حياتهم في القرى والمدن.