حازم بدر
تصوير: مصطفى أوزتورك
القاهرة- الأناضول
قبل يوم واحد من الاستفتاء على الدستور المصري في مرحلته الأولى تأتي أهمية الحوار مع الكاتب الصحفي فهمي هويدي، الذي التقاه الرئيس المصري محمد مرسي مؤخرًا للاستماع إلى رؤيته في كيفية الخروج من حالة الانقسام الحادة التي يعيشها الشارع المصري، والتي تجلت بشكل واضح في أزمة الاستفتاء على الدستور.
هويدي حاول النظر في بداية الحوار إلى نصف الكوب الممتلئ، وهو أن ساعات معدودة تفصلنا عن أهم دستور في تاريخ مصر الحديث، معتبرًا أن الوصول إلى مرحلة الاقتراع على الدستور بـ "نعم" أو " لا " هو خطوة على طريق الاستقرار، لكنه ما لبث أن اضطر مع مرور الوقت إلى الوقوف على أرض الواقع الصعبة، والتي تقول إننا أمام أزمة كبيرة، لأن المفاضلة بين "نعم" و"لا"، هو اختيار بين السيئ والأسوأ، حسب وصفه.
وذهب الكاتب الصحفي الكبير إلى أن "نعم" هو الخيار الذي سينحاز إليه، دفاعًا عن ما سماه بـ "دوران العجلة" الذي قد يكون مكلفًا، لكنه أفضل من خيار "لا"، الذي قد يفتح المجال لتوسيع الخلاف، ويؤدي إلى العودة لنقطة الصفر مرة أخرى.
ورفض هويدي التحليلات التي تحمّل الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس المصري مسؤولية حالة الانقسام الحادة التي يعيشها المجتمع المصري، مشيرًا إلى أنها حالة قديمة، تتجلى واضحة في محطات من حياتنا، واعتبر الاستفتاء على التعديلات الدستورية في مارس/آذار 2011 إحدى هذه المحطات، والاستفتاء الحالي محطة أخرى.
لكنه في الوقت نفسه، لم يعف الرئيس المصري من المسؤولية عن أخطاء الإعلان الدستوري، والذي أحدث توترًا في المجتمع "كنا في غنى عنه"، كما أنه لام المعارضة أيضًا، والتي "كان يجب أن تتحلى بقدر أكبر من المسؤولية، يجعلها تتجنب مطالب إسقاط شرعية رئيس منتخب".
وفيما يلي نص الحوار:
* ساعات تفصلنا عن الاستفتاء على الدستور المصري .. البعض يقول إن " نعم " خيار يجلب الاستقرار، وآخرون يرون في خيار " لا " تحقيقا لنفس الهدف.. إلى أي الخيارين تميل ؟
**الاستفتاء في حد ذاته خطوة على طريق الاستقرار.. فإذا وافق الناس ستدور العجلة وتبدأ الدولة في بناء مؤسساتها وتنتقل سلطة التشريع لمجلس الشورى، وإذا رفض الناس سيتم تشكيل لجنة تأسيسية أخرى لكتابة الدستور.. في كلا الحالتين سنسمع صوت الشعب وهو أمر مهم للغاية لأننا لا نسمع الآن إلا صوت الفضائيات.
*ولكن البعض طالب الرئيس بتأجيل الاستفتاء، لأن كلا الخيارين " نعم " و " لا " لن يجلب الاستقرار؟
** بالعكس التأجيل يمكن أن يزيد من صعوبة الموقف.. فالذين يطالبون بالتأجيل يرون أن ذلك قد يكون فرصة لإعادة تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور، أو إعادة المناقشة حول مواد الدستور، وفي كلا الحالتين سيكون التوافق صعبًا مع حالة الانقسام الحادة التي يعيشها الشارع المصري، لذلك فإنه لا مفر من مواجهة المشكلة بمعرفة نتيجة الاستفتاء، فنحن لا نسمع الآن إلا صوت النخبة والفضائيات، والاستفتاء سيمكننا من معرفة رأي الشارع.
*وماذا بعد الاستفتاء.. هناك حالة من القلق لدى رجل الشارع؟
** القلق سمة رئيسية من سمات المراحل الانتقالية التي تعقب الثورات، ونحن لا زلنا في مرحلة انتقالية، ولا أستطيع أن أتنبأ بما سيحدث بعد الاستفتاء، وأفضل تأجيل هذا السؤال لما بعد ظهور نتيجة الاستفتاء، لنعرف إلى أي الخيارين انحاز المصريون، ومدى إقبال الناس عليه، فإذا كان الإقبال ضعيفًا، فهذا مؤشر على عدم رضا الناس عنه.
*بمناسبة الإقبال، هناك من يقول إنه لابد أن تعكس نسبة التصويت بـ " نعم " إقبالاً على الاستفتاء، ويقولون إنهم لن يقبلوا بالنتيجة إذا فاز خيار نعم بـ 51 % فقط ؟
** بعض البلاد تشترط في الاستفتاءات أن يحصل الخيار الفائز على نسبة لا تقل عن 60 % وهذا هو الوضع المثالي، وهناك بلاد لا تشترط ذلك ويكون حصول خيار على 51 % كافيًا وهذا وضع طبيعي.. وفي ظل حالة الانقسام والمكايدة التي نعيشها الآن يصعب الاتفاق على الوضع المثالي، لأن كل طرف يتمسك برأيه ويراه صوابًا.
*وإلى أي الخيارين ستميل " نعم " أم " لا " ؟
**سأميل لـ"نعم" كي تدور العجلة وتمضي الدولة في طريق بناء المؤسسات.. وقد يكون دوران العجلة مكلفًا، لكنه أفضل من العودة لنقطة الصفر مرة أخرى، لأن خيار " لا " سيفتح المجال لتوسيع الخلاف، والذي على ما يبدو أن هناك صعوبة في احتوائه، لأنه ليس مفهومًا أسبابه.. هل هي بسبب تشكيل الجمعية التأسيسية أم بسبب مواد الدستور، أما مبدأ إصدار الدستور في الوقت الراهن.
علما بأن الدستور وضعته مجموعة منتخبة، وكانت هناك مناصفة ولم تكن هناك مغالبة كما يدعي البعض، إذن سيكون من الصعوبة التوافق على تشكيل آخر، ثم من سيضع معايير التشكيل هل الرئيس أم المثقفون المنقسمون؟، كل ذلك يفتح مجالا لتوسيع الخلاف.
*لكن البعض يردد عكس ما تقول.. ويرون أن " لا " فرصة لإعادة لم الشمل؟
** نحن في الاستفتاء لن نفاضل بين جيد ورديء، لكننا سنفاضل بين سيئ وأسوأ، ونعم بالنسبة لي هو الخيار "السيئ" المقبول خاصة أن هناك جهودًا تبذل من جانب نائب الرئيس للاتفاق على تعديل المواد الخلافية بالدستور عبر وثيقة ملزمة توقع عليها كل القوى الوطنية مع الرئيس، وهذا حل مقبول، حتى لا نصل للأسوأ.. ولاحظ هنا أني أقبل بالسيئ من قبيل الدفاع عن تسيير العجلة، بدلا من الرجوع لنقطة الصفر.
*البعض يحمّل الرئيس مسؤولية حالة الانقسام، ويرون أنه لولا الإعلان الدستوري الذي أصدره ما وصلنا لهذه الحالة؟
**حالة الانقسام هذه ليست وليدة الظرف الحالي، لكنه حالة تاريخية تأتي أحداث لتظهرها، وكان الاستفتاء على التعديلات الدستورية في مارس/ آذار 2011 إحدى المحطات التي أظهرت الانقسام، وكذلك الاستفتاء الحالي، لكن بلا شك الرئاسة كان يجب أن تكون أكثر حنكة فيما يتعلق بالإعلان الدستوري، كما أن المعارضة كان يجب أن تكون أكثر مسؤولية بحيث لا تطالب بإسقاط رئيس منتخب له شرعية.
*قلت إن الرئاسة كان ينبغي أن تكون أكثر حنكة، فما هي الأخطاء التي وقعت فيها برأيك؟
** في الإعلان الدستوري ما كان ينبغي أن يحدث اشتباك مع القضاء، فإقالة النائب العام كانت مطلبًا ثوريًّا، لكن كان يمكن أن يترك للقضاة مهمة اختيار من سيخلفه ولا يفرض اسما بعينه.. ثم إن الرئيس تحدث عن ضرورات دعته لتحصين قراراته، وهذا كان يحتم عليه ذكرها.. ثم إن المادة السادسة التي فهمت على أنها إعلان ضمني لحالة الطوارئ فوجئنا بالرئيس يقول إنه غير متمسك بها.
*إذن المشكلة لم تكن في الإعلان بحد ذاته، ولكن في صياغته؟
** بالضبط.. الإعلان كان يمكن أن يكون مقبولاً لو صيغ بعبارات أكثر تحديدًا وتجنّب الاشتباك مع القضاة.
*بحكم متابعتك للمشهد، هل جماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي لها الرئيس هي مَنْ ورّطته في الإعلان الدستوري أم مستشاروه؟
**مستشارو الرئيس أعلنوا صراحة أنهم لم يستشاروا في موضوع الإعلان الدستوري، وطبعا الجماعة لها دور خفي غير معلوم .. لكن المعلوم أننا أمام رئيس يتحمل المسؤولية.. وأتصور أن أزمة الإعلان الدستوري ستؤثر على وضعية الجماعة.
*تقصد أنها ستؤثر عليها في الانتخابات البرلمانية المقبلة؟
** قطعا ستؤثر .. وذلك وفقا لما نسمعه ونشاهده في المدينة.. ولكن لا أحد يعرف الوضع بالقرى المصرية، فليس لدينا في مصر استطلاعات رأي جادة وحقيقية تكشف لنا عن ذلك.
*باعتبارك أحد الشخصيات التي لجأ لها الرئيس مؤخرًا ليستمع لرأيها في الخروج من المأزق الحالي، ماذا قلت له؟
** لم أقل أسرارًا.. ما قلته للرئيس هو ما أكتبه في مقالاتي.
news_share_descriptionsubscription_contact
