غزة/ رمزي محمود/ الأناضول
- تأتي تلك الضرورة وسط شح في الهواتف وقطع الغيار والشاشات ومداخل الشحن في أسواق غزة.
- مع اعتماد التعليم بدرجة كبيرة على الأجهزة الإلكترونية، أصبح نقص الهواتف والأجهزة اللوحية عبئا إضافيا على الأسر
في غزة، لم يعد الهاتف المحمول مجرد وسيلة للتواصل أو الترفيه، بل تحول إلى أداة أساسية للحياة اليومية من متابعة التعليم وإجراء المعاملات المالية إلى التواصل وقت الطوارئ والوصول إلى الخدمات والمعلومات.
ورغم ضرورته، يواجه الفلسطينيون في القطاع نقصا حادا في الأجهزة وقطع الغيار، ما دفع الأسعار إلى مستويات قياسية.
وفي ظل صعوبة إدخال الهواتف ومستلزمات صيانتها، يلجأ أصحاب المحال إلى تفكيك الأجهزة التالفة واستخدام أجزائها لإصلاح أخرى، بينما يجد الفلسطينيون في غزة أنفسهم أمام سوق شحيحة وغلاء يحول دون اقتناء هاتف جديد أو حتى إصلاح القديم.
وبينما كانت الهواتف المحمولة قبل الحرب مرتبطة في أذهان كثيرين بالترفيه والتواصل الاجتماعي والتصوير، فرضت ظروف الحرب واقعا جديدا جعلها جزءا من منظومة البقاء اليومية في غزة.
فالهاتف اليوم وسيلة للتواصل مع الأقارب وقت الطوارئ، وأداة للتعلم، ووسيلة لإجراء المعاملات المالية، والوصول إلى الخدمات والمعلومات، فضلا عن كونه في أحيان كثيرة الوسيلة الوحيدة المتاحة أمام المواطن لمتابعة شؤونه في ظل تدمير البنية التحتية والخدمات الأساسية.
ويقول العاملون في هذا القطاع إن منع إدخال الهواتف وقطع الغيار جعل الحصول على جهاز جديد أو إصلاح جهاز قديم مهمة شاقة، بينما تحولت الهواتف المستعملة إلى سلعة مرتفعة الثمن، لا يستطيع كثير من المواطنين تحمل كلفتها.
أسعار فلكية
وداخل أحد محال صيانة الهواتف بمدينة غزة، يقلب مهندس الصيانة ماهر اسليم قطعا وأجهزة تالفة بحثا عن أجزاء يمكن استخدامها في إصلاح هواتف زبائنه.
ويقول اسليم للأناضول إن أسعار الهواتف ارتفعت بصورة كبيرة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، موضحاً أن الجهاز الذي كان يباع بنحو 400 إلى 700 شيكل (130-233 دولار) بات سعره يصل إلى 2500 و3000 شيكل (من 800 إلى 1000 دولار).
أما شاشات الهواتف، التي كانت تكلف نحو 80 شيكلا (نحو 27 دولارا) في السابق، فأصبح الحصول عليها، وفق اسليم، يكلف 800 إلى 1000 شيكل (نحو 267 إلى 333 دولارا) في بعض الحالات، ما جعل عملية الصيانة مرهقة للتاجر والمواطن على حد سواء.
ويضيف: "أصبحت الأمور صعبة جداً، فلا نحن قادرون على العمل كما ينبغي، ولا الناس قادرة على قضاء احتياجاتها، بسبب إغلاق المعابر والظروف التي نعيشها".
ويشير اسليم إلى أن بعض الزبائن، ولا سيما طلبة الجامعات، يفضلون إبقاء هواتفهم معطلة على فتحها وإجراء إصلاحات غير مضمونة بسبب عدم توفر القطع اللازمة، قائلا إن الطالب "لا يريد أن يخاطر بهاتفه، فيبقى معطلا رغم حاجته إليه".
ولم تقتصر الزيادة على الأجهزة المتطورة، إذ يقول اسليم إن بعض الهواتف البسيطة التي كانت تباع بنحو 290 شيكلاً (نحو 97 دولارا) بات سعرها يتراوح بين 1500 و1800 شيكل (نحو 500 إلى 600 دولار)، بينما ارتفعت أسعار بعض أجهزة "آيفون" التي كانت تباع بنحو 3800 شيكل (نحو 1267 دولارا) إلى ما بين 10 آلاف و11 ألف شيكل (نحو 3333 إلى 3667 دولارا).
ويصف الوضع بالقول: "الأسعار أصبحت لا تطاق، وأصبح الحصول على الهاتف أمراً بالغ الصعوبة".
هاتف من هاتف
ومع انعدام البدائل، يضطر أصحاب محال الصيانة إلى ابتكار حلول للحفاظ على أكبر عدد ممكن من الأجهزة قيد الاستخدام.
ويقول اسليم إنهم باتوا يأخذون قطعاً من هاتف لإصلاح هاتف آخر، كما يستفيدون أحياناً من أجهزة تالفة أو قطع يجلبها مسافرون، في محاولة لإصلاح ما يمكن إصلاحه.
ولا تقتصر الأزمة على قطع الغيار الرئيسية، بحسب اسليم، بل تمتد إلى أبسط أدوات الصيانة، موضحاً أن حتى معدات اللحام المستخدمة في إصلاح الهواتف بات من الصعب تعويضها إذا تعطلت.
ويقول إن المحل يستقبل يومياً ما بين 15 و20 جهازا يتعذر إصلاحها بسبب عدم توفر القطع المناسبة، مضيفاً أن العبارة الأكثر تكراراً أمام الزبائن أصبحت: "لا توجد قطعة".
أزمة تتجاوز التجارة
ولا تعد أزمة الهواتف في غزة مجرد مشكلة تتعلق بقطاع تجاري أو بارتفاع أسعار سلعة استهلاكية، إذ ارتبط الهاتف خلال سنوات الحرب بتفاصيل أساسية من حياة السكان.
ويعتمد كثير من الفلسطينيين في القطاع على الهواتف في التواصل مع ذويهم، والحصول على الأخبار والمعلومات، والتنسيق للحصول على المساعدات والخدمات، فضلاً عن استخدامها في عمليات البيع والشراء والتداول الإلكتروني.
وتكتسب هذه الوظيفة أهمية بالغة في ظل أزمة السيولة النقدية التي يعانيها القطاع، حيث أدى اهتراء العملات الورقية وشحها إلى التوسع في استخدام وسائل الدفع والتحويل الإلكتروني، ما جعل امتلاك هاتف صالح للاستخدام ضرورة لإنجاز كثير من المعاملات اليومية.
وبالنسبة للطلبة، أصبح الهاتف أو الجهاز اللوحي في كثير من الأحيان بوابة رئيسية إلى التعليم، بعدما أدت الحرب إلى تدمير أو إلحاق أضرار واسعة بالمدارس والجامعات، ودفع المؤسسات التعليمية إلى الاعتماد بدرجات مختلفة على التعليم الإلكتروني.
ويُمنّي الشاب أحمد حجازي نفسه، بإمكانية سماح السلطات الإسرائيلية بإدخال الأجهزة الخلوية وملحقاتها، بعدما نفد صبره في البحث عن شاشة بديلة لهاتفه الذي تعرض للكسر منذ شهرين، دون جدوى.
ويقول حجازي (25 عاماً) للأناضول، إنه جاب معظم محال الهواتف المحمولة في مدينة غزة من أجل إصلاح هاتفه، لكن محاولاته باءت جميعاً بالفشل، وسط شح شديد في قطع الغيار وارتفاع كبير في أسعارها.
ولفت إلى أن "الهاتف بات مرتبطاً بشكل كامل بتفاصيل معاملاتي اليومية، من شراء وتسوق ومواصلات وغيرها"، مشيراً إلى أن "تعطل الهاتف يعني تعطل الحياة بشكل فعلي".
وتابع: "في ظل شح العملة الورقية واهترائها، أعتمد بشكل كامل على تطبيقات الدفع الإلكتروني عبر الهاتف المحمول، وبسبب تعطل هاتفي أشعر بالعجز عن إنجاز المهام والمتطلبات اليومية".
وبيّن حجازي أنه حاول كثيراً شراء هاتف جديد مما يتوفر في السوق السوداء، لكنه يصطدم دوماً بـ"أسعار فلكية بأضعاف السعر الحقيقي".
الطلبة في قلب الأزمة
من جهته، يقول أشرف صبيح، صاحب محل لبيع الأجهزة الخلوية، إن بيع الهواتف أصبح "صعباً جداً"، مشيراً إلى أن الأزمة تشمل أيضاً الإكسسوارات وقطع الصيانة والشاشات ومداخل الشحن.
ويضيف للأناضول أن نحو 90 إلى 95 بالمئة من الشاشات التي يحتاجها السوق غير متوفرة، ما يجعل إصلاح الأجهزة عملية معقدة ومكلفة.
ويشير صبيح إلى أن الأزمة مستمرة منذ فترة طويلة، قائلاً إن قطاع غزة لم يشهد إدخال كميات طبيعية منذ بدء حرب الإبادة، حيث تتفاقم الأزمة أكثر مع استمرار المنع.
ويقول: "لا توجد قطع غيار متوفرة، ولا إكسسوارات، ولا حتى هواتف، وإن توفرت فإن أسعارها تكون فلكية".
ويرى صبيح أن الطلبة هم الفئة الأكثر تضرراً من أزمة الهواتف، سواء طلبة الثانوية العامة أو الجامعات، بسبب اعتماد جانب كبير من العملية التعليمية على الوسائل الإلكترونية.
ويضيف أن الطالب بات بحاجة إلى هاتف أو جهاز لوحي لمتابعة دراسته، بينما أصبحت هذه الأجهزة نادرة في السوق، ما يزيد من أعباء الأسر التي تحاول توفير الحد الأدنى من مستلزمات التعليم لأبنائها.
ومع ارتفاع أسعار الأجهزة الجديدة، يركز أصحاب المحال بصورة متزايدة على بيع الهواتف المستعملة، باعتبارها الخيار الأكثر واقعية في سوق يعاني نقصاً حاداً في المعروض.
ويقول صبيح إن التجار "مضطرون للتكيف مع هذا الوضع"؛ لتأمين مصاريفهم والتزاماتهم، وفي الوقت نفسه تلبية احتياجات المواطنين الذين أصبح الهاتف بالنسبة إليهم ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها.
news_share_descriptionsubscription_contact


