Nour Mahd Ali Abuaisha
15 مايو 2026•تحديث: 15 مايو 2026
غزة / الأناضول
"هذا الثوب أكبر من عمر إسرائيل"، هذا ما قالته المعمرة الفلسطينية فاطمة فنونة (95 عاما)، وهي تستعرض ثوبا مطرزا بألوان زاهية ونقوش نباتية، حملته والدتها معها خلال رحلة التهجير القسري من قرية "قطرة" إبان النكبة عام 1948.
و"قطرة"، واحدة من 1300 قرية ومدينة تم تهجيرها وتدمير معالمها خلال النكبة، وتقع في قضاء الرملة وسط فلسطين المحتلة عام 1948.
وبعد 78 عاما على نكبة الفلسطينيين، ما تزال فنونة، التي هُجرت وعائلتها آنذاك إلى قطاع غزة، تحتفظ بأثواب مطرزة، كأنها شاهد على قريتها الأصلية.
ويُطلق الفلسطينيون مصطلح "النكبة" على تهجير 957 ألفا منهم من أصل 1.4 مليون عام 1948 بالتزامن مع قيام إسرائيل على أراضيهم، بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
وخلال النكبة، سيطرت العصابات الصهيونية خاصة من يطلق عليهم اسم "منظمة هاغاناه"، على 1300 قرية، هجرت سكانها ودمرت المئات منها بالكامل.
التهجير القسري
وعن تهجير القرية، تقول التسعينية فنونة للأناضول، إنهم مع بداية أحداث النكبة وسيطرة عصابات "هاغاناه" على الأراضي الفلسطينية، فضلوا البقاء في قريتهم وعدم المغادرة.
وتابعت: "بقينا شهرا أو شهرين حينما طوقوا البلاد وأخذوها، ثم جاء عناصر هاغاناه، وقالوا: لا يبقى أحد، وإذا بقيتم هنا فسنطلق النار صوبكم. وفعلا قتلوا أناسا بالرصاص".
وأوضحت أن هذه الأحداث أثارت حالة من الرعب بين السكان، ما اضطرهم إلى الرحيل سريعا عن القرية برفقة أبنائهم والقليل من الأمتعة.
وذكرت أن والدتها خلال هذه الأحداث، كانت تجلس أمام فرن الطابون، وتخبز الخبز، مضيفة "تركناه ورحلنا".
وتضيف أن والدتها استطاعت حمل ذهبها قبل الهجرة، إضافة إلى حقيبة صغيرة تضم الأثواب المطرزة هذه.
وتشير إلى أن طريق الهجرة كانت صعبة حيث المشي لساعات طويلة على الرمال، في رحلة شاقة، لمن يحمل حقائب أو أطفالا.
لا للهجرة مجددا
تستعيد فنونة تفاصيل الحياة في قرية "قطرة" المهجرة، حيث كانت العائلات الفلسطينية تعتمد على أرضها في الغذاء والعمل، قبل أن تُجبر على الرحيل منها.
وتقول: "لم نكن نجلب شيئا من خارج قطرة"، موضحة أن الأهالي كانوا يزرعون القمح والشعير والسمسم، إلى جانب أشجار الزيتون وكروم العنب.
وبعد مرور عقود، أعربت فنونة عن ندمها على الهجرة من قرية "قطرة"، قائلة: "كنا دون وعي.. (اليوم) نموت في الأرض ولا نعيش خارجها".
وعن مخططات التهجير الإسرائيلية لفلسطينيي غزة، قالت فنونة: "نحن هنا صامدون.. لا أحد يرحل ويغادر القطاع.. اقعدوا على قلوب اليهود والولايات المتحدة".
ومرارا، دعا مسؤولون إسرائيليون إلى إنشاء مستوطنات في قطاع غزة، وتهجير الفلسطينيين منه.
فيما تبنى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ 25 يناير/ كانون الثاني 2025، مخطط إسرائيل لتهجير فلسطينيي غزة إلى دول مجاورة مثل مصر والأردن، وهو ما رفضه البلدان، وانضمت إليهما دول عربية أخرى ومنظمات إقليمية ودولية.
التطريز والعودة
تقول فنونة إنها تعلمت حرفة التطريز عن والدتها حينما كانت في سن صغيرة، حيث عكفت على تطريز عدد من أثوابها التي تستعرضها، وما زالت تحتفظ بألوانها ورونقها.
وتشير إلى ثوب مطرز بلون أحمر ويحمل نقوشا هندسية: "والدتي طرزته لي حينما كنت صغيرة.. وأنا عندما وعيت (بلغت) بدأت بالتطريز".
وعن أسباب حمل الأثواب المطرزة معهم خلال الهجرة، قالت فنونة: "هذه الأثواب هي أصلنا (هويتنا).. هل نغادر ونترك أصلنا؟".
وتابعت: "الثوب والعرض واحد.. هذه آثار فلسطينية (...) عمرها أكبر من عمر اليهود والاحتلال".
وتحمل أثواب فنونة نقوشا وغرزات تقليدية كانت شائعة في منطقة اللد والرملة، أبرزها الغرزة الفلاحي "المتقاطعة"، التي تعد من أشهر أنماط التطريز الفلسطيني.
وكان التطريز الفلسطيني قديما يحمل دلالات جغرافية واجتماعية، إذ عُرفت القرى والمناطق الفلسطينية بأنماط غرز وألوان وزخارف خاصة، ما جعل الأثواب آنذاك وسيلة للتعبير عن الهوية والانتماء، وفق ما تؤكده المراجع التاريخية.
وفي السياق، أكدت المسنة الفلسطينية تمسكها بحق العودة إلى قرية قطرة، قائلة: "هذا وطننا وهذه أرضنا.. اليهود لا وطن لهم على أرضنا".
وفي 15 مايو/ أيار من كل عام، يحيي الفلسطينيون في قطاع غزة والضفة الغربية والخارج، الذكرى السنوية لنكبة عام 1948، بفعاليات مختلفة تؤكد التمسك بحق العودة، وتندد بجرائم إسرائيل المتواصلة.
ويعتبر الفلسطينيون أن ما يحدث في غزة والضفة، من تصاعد للعدوان الإسرائيلي منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، امتداد للنكبة، حيث خلفت الاعتداءات عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، ودمارا هائلا في البنى التحتية.