إبراهيم العلي
تصوير: إبراهيم العلي
بيروت- الأناضول
تقف خالدية العلي (70 عامًا) أمام غرفتها داخل الخانكة (مكان مخصص لإقامة الأرامل منذ العهد العثماني) في طرابلس، كبرى مدن شمال لبنان، تنتظر المحسنين من أبناء المنطقة الشعبية لتقديم وجبة الغداء لها.
حال خالدية التي تعيش في هذا المكان منذ 36 عامًا يشبه أحوال عشر نساء آخريات يقمن في هذا المكان بعد أن فقدن أزواجهن ولم يعد لهن معيل يساعدهن على تحمل ظروف الحياة الصعبة.
نساء وأرامل يتوزعن على 12 غرفة، ضمن دار تشرف عليها منذ عقود دائرة الأوقاف الإسلامية الحكومية، والتي تتكفل بتأمين المسكن للأرامل، كما يقول المسؤول عن الخانكة لدى الدائرة أحمد شاهين.
ويضيف لـ"الأناضول": "مسؤوليتنا تقتصر على توفير مكان الإقامة، وهناك جمعيات تقوم بتقديم المساعدات من وقت لآخر للنساء اللواتي يقمن هنا".
ويلفت إلى أن "هذا الدار شيد في القرن الثامن الهجري، بتمويل من امرأة صالحة كانت تعرف بالمرأة الصالحة، ويتردد أنها دفنت هنا، في هذا القبر الموجود في باحة الدار".
وبحسب المصدر نفسه، فإن "هذا الدار ملك للأوقاف الإسلامية، وسمي الخانكة كونه مخصصًا للأرامل، وقد وفد عليه المئات ومنهم من مات أو رحل إلى مكان آخر".
وعن شروط الإقامة، يوضح شاهين أنها "تقتضي أن تكون المرأة أرملة، ولا تجد من يساعدها، فضلا عن عدم السماح للرجال بالإقامة، حيث يترك الطفل مع والدته حتى يبلغ سن الرشد، وعندها يطلب منه الرحيل حتى لا يكون بين النساء".
وتقع الخانكة في أسواق طرابلس القديمة، وهي عبارة عن مبنى أثري ولكنه مهمّش ولم تلحظه أعمال صيانة أو تأهيل منذ سنوات، على غرار المنطقة التي يقع فيها.
ثلاث درجات حجرية وزقاق صغير مظلم يقود إلى الساحة حيث تتوزع فيها الغرف التي تعج بالنساء وبالأولاد، الذين ما أن يلمحوا غريبًا حتى يسارعوا إلى دخول غرفهم ويظلون فيها بحذر حتى يغادر.
"لا يوجد أحد هنا...ارحلوا، من المفضل ألا يدخل الرجال إلينا خاصة أن هناك نسوة لا تضع على رأسها شيئًا"، قالتها إحدى النسوة وهي تسارع إلى دخول غرفتها.
إلى اليمين من باب الدخول غرفة صغيرة بداخلها سيدة مسنة تفترش الأرض تدعى سميحة الكجك (65 عامًا)، وتعيش في هذا المكان منذ ثلاثين عامًا، بعد أن توفي زوجها الذي لم تنجب منه أولادًا.
وتقول:"أنا أعيش هنا لأنه لا يوجد مكان آخر أذهب إليه، الوضع صعب جدا، في الشتاء تهطل الأمطار عليّ من سقف الغرفة المهترئ، وفي الصيف نختنق من شدة الحرارة، ولكن كل ذلك يبقى أفضل من أن أكون في الشارع".
وتضيف "أهالي الحي يأتون إلينا من وقت لآخر بالطعام، وهناك نساء تعمل هنا، وعندما يطهون الأكل يحسبون حسابي، الوضع صعب ولا يحتمل، وأنا اليوم أنتظر الموت لأنني أعيش في قبر لا يتحمله أحد".