حمدي يلدز
القاهرة ـ الأناضول
"رؤساؤنا يتحدثون باللغات الأجنبية ويرون أن هذا مظهر من مظاهر العلو والارتفاع فى أعين الناظرين مع أن هذا ينبغى أن يكون سبة فى وجه من لا يستعمل لغته"..
هكذا استهل عبد الحميد مدكور، عضو مجمع اللغة العربية في القاهرة، حديثه لمراسل "الأناضول" على هامش اجتماعات المجمع في دورته التاسعة والسبعين.
ويبرر مدكور بقوة دعوته للقادة العرب للحديث بلغة الضاد قائلا: "اللغة جزء من الكيان النفسي والكيان القومي، والمسؤول أقدر على أن يعبّر عن المسائل السياسية الدقيقة الحرجة باللغة العربية بشكل أفضل من اللغات الأجنبية؛ لأنه قد يكون للكلمة (غير العربية) ظلال أو معانٍ أو دلالات لا يعرفها غير أصحابها، ومن ثم فإن كلمة واحدة يمكن أن تؤدى إلى خطأ أو خطيئة فى حق من يستعمل لغة غير لغته الأصلية".
ويقارن عالم اللغة العربية بين "السلوك اللغوي" للرؤساء والقادة العرب وبين نظرائهم الأوروبيين، قائلاً: "لا يمكن لمسؤول فرنسي مثلا أن يتحدث بلغة إلا الفرنسية، ولا يمكن لمسؤول إنجليزى أن يتحدث بلغة غير اللغة الإنجليزية، ومن المصائب عندنا أن المسؤولين العرب لا يعتقدون أنهم مطالبون بالتحدث باللغة العربية الفصحى؛ بدعوى أنهم ليسوا متخصصين فى اللغة العربية".
وعن "المخاطر" التي تواجه اللغة العربية الفصحى في الوقت الراهن، يسهب مدكور في الحديث مفصلا: "أول هذه المخاطر هي اللغة العامية التى تمنع استخدام اللغة الفصحى.. فاللغة العامية المستخدمة فى المسرح وفى البرامج التلفزيونية والإذاعية أو حتى أحيانا في نشرات الأخبار في بعض محطات التلفزيون بالعالم العربى، تزيح اللغة العربية عن موقعها".
ويضيف إلى قائمة "المخاطر" ما يصفه بـ"التوجهات الجديدة نحو أجنبة العلوم الإسلامية في بعض البلدان العربية".
ويمضى موضحا: "نسمع على سبيل المثال أن بعض البلاد فى الخليج العربي توقفت عن تدريس مناهج بعض المواد باللغة العربية وأصبحت تدرسها بلغات أجنبية، حتى كليات الآداب صارت تدرّس بعض موادها العربية باللغة الإنجليزية وأيضا بعض كليات الشريعة تدرس موادها الإسلامية باللغة الإنجليزية وهذه كلها مخاطر تضر باللغة العربية".
ويوجّه عضو المجمع اللغوي سهام نقده أيضا إلى المدارس "التجريبية" أو الخاصة فيقول: "التدريس لا يتم باللغة العربية في هذه المدارس الأجنبية التي لا تهتم أصلا باللغة العربية، وتعتبر أن هذه اللغة غير قادرة على ملاحقة الحاضر أو مواكبة الحاضر المعاصر".
واعتبر كل هذه "المخاطر" بمثابة "إزاحة للغة العربية حيث تبدو وكأنها منهج مخطط في الداخل وفي الخارج لكي تزاح اللغة العربية عن مكانتها".
وحول ما يثيره البعض بشأن الأهمية المتنامية للغة الإنجليزية كلغة عالمية ما يبرر تدريس بعض المواد بها بدلا من العربية في مدارس عربية، يرد مدكور: "هناك فرق دقيق جدًا بين أن تدرس اللغة الإنجليزية وأن تصل إلى أعمق أعماقها، وهذا مطلوب في حد ذاته، ولكن ما هو ليس مطلوبًا أن يدرس تاريخ العرب باللغة الإنجليزية أو أن تدرس الجغرافيا باللغة الإنجليزية، بل إننا نطالب بأن يكون تدريس العلوم مثل الهندسة والكيمياء والفيزياء وعلوم الحيوان وعلوم النبات وعلوم الطب وغيرها، باللغة العربية وليس باللغات الأجنبية".
ويشدد على أن هذا توجه "سيثري اللغة العربية حيث سيضيف إليها مجموعات ضخمة من الكلمات والتعبيرات".
وعن مستوى اللغة العربية في الصحف، يرى عضو مجمع اللغة في القاهرة "أن اللغة العربية غير مدققة غالبا في الصحف التي تقع في أخطاء لغوية قد تصل إلى عناوينها الرئيسية".
ويعتبر اللغة الصحيحة بمثابة "تعبير سليم عن تفكير سليم فإذا كان التفكير مشوشًا، سيكون التعبير اللغوى مشوشًا أيضا".
ورغم حديثه عن المخاطر التي تواجه اللغة العربية فإن مدكور يعرب عن تفاؤله بمستقبل لغة القرآن.
ويختتم حديثه بالقول: "اللغة العربية موجودة وستبقى لها مكانتها ومقامها الرفيع، لكنها تحتاج أن يحرص الناس عليها كما يحرصون على ملكيتهم الخاصة وعلى بيوتهم وعلى أبنائهم حتى تواصل هذه اللغة أداء دورها الكبير خاصة بعد الثورات فى العالم العربي".