أنقرة / الأناضول
- حذف الفاعل من الأخبار المتعلقة بجرائم ارتكبتها إسرائيل مثل "قتل مدنيون في غزة"
- "نيويورك تايمز" وصفت مقتل صحفيين فلسطينيين برصاص إسرائيل بـ"مخاطر قاتلة تواجه الصحفيين بغزة"
- مجلة "تايم": "الحرب بين إسرائيل وحماس تخلق تأثيرًا قاتلًا غير مسبوق على الصحفيين"
عبر التلاعب بالمصطلحات والتوصيفات، تعمد وسائل إعلام غربية إلى استخدام عبارات منحازة لإسرائيل خلال نقلها تفاصيل الإبادة بقطاع غزة، في محاولة لتبرئتها أو تجنب ذكرها عند الحديث عن جرائم يرتكبها الاحتلال بحق الفلسطينيين.
وبدعم أمريكي بدأت إسرائيل في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 إبادة جماعية بغزة، خلّفت أكثر من 72 ألف قتيل وما يزيد على 172 ألف جريح فلسطينيين، معظمهم أطفال ونساء، ودمارا طال 90 بالمئة من البنى التحتية.
ورغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ 10 أكتوبر 2025، والتزام حركة "حماس" به، واصلت إسرائيل خروقاتها وتوقع آلاف القتلى والجرحى بين المدنيين الفلسطينيين.
وفي محاولة للتنصل من المسؤولية عن الإبادة إثر حملات المقاطعة الدولية ضدها، تزعم إسرائيل أنها تقاتل "إرهابيين"، وتحاول تبرير جرائمها بمساعدة وسائل إعلام غربية تتبنى الرواية ذاتها.
وفي سلسلة تقارير إعلامية، سلطت الأناضول الضوء على الدور الذي لعبته وسائل إعلام غربية في ترويج السرديات الإسرائيلية خلال الحرب على غزة، عبر استخدام توصيفات منحازة.
تلك التوصيفات روجت لمفاهيم وصفت التهجير القسري بـ"الإخلاء"، والمجازر بـ"الدفاع عن النفس"، ما جعل الإعلام الغربي شريكا في صناعة القبول الدولي بالانتهاكات الإسرائيلية.
وفي هذا الإطار، تنشر الأناضول سلسلة تقارير تحت عنوان "الفلسطينيون في الإعلام العالمي"، لتسليط الضوء على عدم إنصافهم في الإعلام الغربي، مقابل انحياز لإسرائيل.
وبذلك تحوّل الإعلام الغربي إلى أداة لنقل الدعاية الإسرائيلية التي وفرت غطاء لجرائم الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في غزة.
** "إرهابيون" بدلا من مقاومين
استخدمت مؤسسات إعلامية عالمية مثل "بي بي سي" البريطانية، و"سي إن إن" و"واشنطن بوست" الأمريكيتان، تعبيرات وصفت المقاتلين الفلسطينيين بـ"الإرهابيين" بدلًا من "المقاومين"، واستخدمت كلمة "استيطان" بدلًا من "احتلال" عند الحديث عن استيلاء إسرائيل على الأراضي الفلسطينية.
كما استُخدمت كلمات "اشتباكات" بدلًا من "هجمات"، و"حق الدفاع عن النفس" بدلًا من "الاستخدام غير المتناسب للقوة".
وقد أسهمت هذه اللغة في توجيه تعاطف الرأي العام، بحيث بدا الفلسطينيون الذين يتعرضون للإبادة وكأنهم "تهديد"، بينما صُوّرت إسرائيل التي ارتكبت المجازر على أنها "ضحية".
كما جرى تبرير هجمات إسرائيل وسياسات الاحتلال غالبا تحت شعار "الدفاع المشروع عن النفس".
وهكذا لعب الإعلام الغربي عبر السردية التي تبناها دوراً في تحديد من يُنظر إليه كضحية، ومن يُنظر إليه كفاعل للجريمة.
** تبني مزاعم إسرائيلية
وفي شكل آخر للانحياز الإعلامي لإسرائيل، نقلت وسائل إعلام مختلفة، مزاعم عن فظائع غير مُثبتة أو مختلقة بالكامل، دون التحقق منها، وروّجت لروايات عنف ضد مدنيين ونساء وأطفال تبيّن لاحقا أنها لم تحدث.
ومثال على ذلك، تداولت وسائل إعلام مزاعم إسرائيلية تفيد بأن "حركة حماس قطعت رؤوس 40 طفلاً"، و"حماس اغتصبت نساء إسرائيليات".
ورغم إثبات بطلان هذه المزاعم الإسرائيلية، استمر بعض الإعلاميين والسياسيين المؤيدين لإسرائيل في تكرارها.
ومن خلال هذه السرديات، جرى تصوير الفلسطينيين على أنهم "إرهابيون" و"يستحقون القتل"، ما ساهم في خلق مناخ من الكراهية جرى فيه تبرير الهجمات والمجازر الإسرائيلية.
ومن أبرز الأساليب التي استخدمتها وسائل الإعلام الغربية اعتماد صيغة المبني للمجهول لإخفاء مسؤولية إسرائيل المباشرة عن الجرائم.
وترد في الأخبار عبارات مثل "قُتل مدنيون في غزة" و"دُمرت مبانٍ في غزة" و"سُجلت خسائر بشرية في غزة"، بما يجعل المسؤولية الإسرائيلية غير مرئية للمتلقي.
وعلى سبيل المثال، وصفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية مقتل صحفيين فلسطينيين برصاص إسرائيل على أنه "مخاطر قاتلة تواجه الصحفيين في غزة".
كما استخدمت مجلة "تايم" الأمريكية عنوان مضللا يقول: "الحرب بين إسرائيل وحماس تخلق تأثيرًا قاتلًا غير مسبوق على الصحفيين".
أما "واشنطن بوست"، فنقلت قطع إسرائيل الكهرباء والإنترنت عن غزة بعبارة: "الفلسطينيون غارقون في الظلام الرقمي"، دون أن تذكر المتسبب في ذلك، وهو إسرائيل.
وظهر النهج نفسه أيضا في تغطية الهجمات الإسرائيلية على المستشفيات والمدارس ودور العبادة، عبر استخدام تعبيرات مبهمة مثل "استهداف مواقع لحماس".
** إخلاء بدل تهجير
ورغم أن التهجير القسري يُعد وفق القانون الدولي "تطهيرا عرقيا وجريمة حرب"، فإن وسائل إعلام عديدة وصفت تهجير المدنيين الفلسطينيين بشكل جماعي من قبل الجيش الإسرائيلي بأنه "إخلاء".
وفي تقرير نشرته "سي إن إن" في 9 سبتمبر/ أيلول 2025، استخدمت الشبكة الجملة التالية: "إسرائيل تأمر بإخلاء كامل مدينة غزة"، فيما استخدمت "بي بي سي" تعبير "الجيش الإسرائيلي يأمر بإخلاء جميع سكان غزة".
وأصبح مفهوم "الإخلاء" الذي يشير قانونياً إلى نقل المدنيين مؤقتاً إلى مناطق آمنة عند وجود خطر، وسيلة لغوية تُخفي الهدف الحقيقي لإسرائيل المتمثل في اقتلاع الفلسطينيين نهائياً من منازلهم وأراضيهم، وكذلك التهديد الفعلي بالموت الكامن خلف هذه الدعوات.
كما وصفت وسائل الإعلام الغربية طرد الفلسطينيين من منازلهم على أنه "هجرة طوعية"، كما صوّرت اضطرار عشرات آلاف المهجرين للعيش بين الأنقاض على أنه "إنشاء مدينة للمساعدات الإنسانية".
فعلى سبيل المثال، وصفت صحيفة "الغارديان" البريطانية إجبار الفلسطينيين على مغادرة منازلهم بأنه "هجرة طوعية".
فيما نقلت "بي بي سي" في تقرير بتاريخ 9 يونيو/ حزيران 2025 خطة حصر فلسطينيي غزة بمدينة رفح جنوبي القطاع، على أنها "نقل سكان غزة إلى رفح".
كما ظهر الأسلوب اللغوي نفسه في وصف المواقع التي تعرض فيها منتظرو المساعدات لإطلاق نار إسرائيلي.
ووصفت وسائل إعلام غربية إطلاق إسرائيل النار بأنه "تنظيم للحشود"، وقد ساهم ذلك بالتغطية على سياسة التطهير العرقي الإسرائيلية.
كما لعب الإعلام الغربي دورا محوريا في نشر السرديات الإسرائيلية المشرعنة للاحتلال والمجازر والإبادة الجماعية، عبر مصطلحات من قبيل "عملية عسكرية"، و"دفاع"، و"اشتباكات"، و"أزمة"، و"مكافحة الإرهاب".
كما أن الإعلام الغربي، الذي تجنّب وصف الاستيلاء الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية بـ"الاحتلال"، ووسم المقاتلين الفلسطينيين بـ"الإرهاب"، مهّد الطريق لمقتل مزيد من الأبرياء وأصبح جزءًا من دائرة العنف.
وتحاول إسرائيل الرد على الانتقادات الموجهة لجرائمها من خلال وصفها بأنها "معاداة للسامية" و"دعم للإرهاب"، لتتحول وسائل الإعلام الرئيسية إلى أداة لنشر هذه الرواية.