غزة/ حسني نديم/ الأناضول
في محاولة لاستعادة شيء من طفولتهم التي غيّبتها حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية، حوّل أطفال فلسطينيون في قطاع غزة تجاربهم مع النزوح وفقدان المنازل إلى لوحات وأعمال فنية، عبّروا من خلالها عن شوقهم إلى الحرية والأمان والسلام.
جاء ذلك خلال معرض بعنوان "ما وراء الرمادي"، افتتحته جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، الاثنين، في مدينة خان يونس جنوبي القطاع، حيث استخدم الأطفال الرسم والمجسمات اليدوية لتجسيد معاناتهم وآمالهم في حياة تتجاوز مشاهد الدمار التي خلّفتها الحرب.
وتنوعت الأعمال المعروضة بين عصافير ترمز إلى الحرية، وزهور تعبّر عن التشبث بالحياة، وحمامات بيضاء تحمل أمنيات السلام.
وبينما استحضر بعض الأطفال مشاهد الدمار والتهجير، اختار آخرون رسم الطبيعة والسماء بألوان زاهية، في محاولة للتعبير عن الحياة التي يتمنون استعادتها.
** عصفور الحرية
وقفت الطفلة روعة أحمد أبو زيادة أمام عملها الفني، الذي أنجزته باستخدام عجينة الورق والفلين، لتشرح الرسائل التي أرادت إيصالها من خلال عصفور وزهرة.
وقالت روعة للأناضول إن "العصفور يرمز إلى الحرية التي حُرم منها الأطفال خلال الحرب، بينما تعبّر الزهرة عن نبض الحياة والمستقبل".
وأوضحت أنها لجأت إلى الرسم لتفريغ ما تراكم داخلها من طاقة ومشاعر سلبية، نتيجة اللحظات الصعبة التي عاشتها خلال الحرب والنزوح.
ومن خلال عملها، حاولت روعة التعبير عن رغبتها في استعادة الحرية التي افتقدتها، والتمسك بالأمل في مستقبل مختلف عن أيام الحرب.
** نافذة على الحياة
أما الطفلة فاتن أبو شبانة (14 عامًا)، فاختارت أن تطلق على لوحتها اسم "زهرة المدائن"، وأن تجعل منها نافذة تطل على عالم يتجاوز الدمار.
وجسدت اللوحة جدارًا يعكس آثار الحرب، تتكشف خلفه سماء زرقاء وأرض لا تزال تنبض بالحياة، فيما ظهرت حمامة بيضاء رمزًا للسلام.
وقالت فاتن للأناضول إن "الرمادي لم يعد مجرد لون، بل صار واقعًا يحيط بتفاصيل الحياة، من الجدران المتصدعة والأماكن التي فقدت ملامحها، إلى أحلام الأطفال الذين لم يتمكنوا من عيش طفولتهم بألوانها الكاملة".
وأوضحت أن فكرة المعرض جاءت من رغبة الأطفال في استعادة ألوان الحياة التي غابت عن أيامهم بفعل الحرب.
وأضافت أن تلك الرغبة لا تعني انتهاء الألم، وإنما تعكس إصرارهم على إبقاء الأمل حاضرًا رغم ما مروا به.
وفي لوحتها، حاولت فاتن أن تقدم صورة لما تتطلع إليه، حيث لا تحجب الجدران المدمرة زرقة السماء، ولا تمنع الحمامة البيضاء من حمل أمنية السلام.
** بيوت من كرتون المساعدات
وفي زاوية أخرى من المعرض، اختارت الطفلة حلا أبو شمالة، بمشاركة أطفال آخرين، إعادة بناء منازل صغيرة باستخدام كرتون المساعدات.
وجسدت المجسمات بيوتًا تشبه تلك التي فقدها الأطفال خلال الحرب، في عمل فني جمع بين ذكريات المنازل ومعاناة النزوح.
وأوضحت حلا للأناضول أن اللون الرمادي الذي غطى تفاصيل البيوت يعكس حجم الدمار الذي بات حاضرًا في مختلف أنحاء قطاع غزة.
وأضافت أن المكعبات الصفراء في العمل تعبّر عن معاناة الأطفال وما تعرضوا له من ممارسات إسرائيلية وسيطرة على مساحات من القطاع.
ورغم التفاصيل التي حملها المجسم، بقي الحنين إلى المنزل والعائلة أبرز ما عبّرت عنه حلا.
وقالت: "اشتقت كثيرًا إلى أن أرجع إلى بيتي مع أهلي وناسي وعائلتي".
وبالنسبة إلى الطفلة، لم يكن المنزل الذي صنعته مجرد مجسم من الكرتون، بل تعبيرًا عن مكان تتمنى العودة إليه واستعادة حياتها فيه مع أسرتها.
وفي عمل آخر، اختار الطفل حسن النابلسي (14 عامًا) التعبير عن حرية فلسطين وطبيعتها.
وقال للأناضول إن الاحتلال أقام جدارًا فاصلًا حرم الفلسطينيين من رؤية تلك الطبيعة والتمتع بالحرية، وهو ما حاول تجسيده في لوحته.
** مساحة للتعبير
ومن جانبها، قالت مديرة دائرة الصحة النفسية في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بقطاع غزة، نيفين عبد الهادي، إن المعرض يهدف إلى إظهار أن حياة أطفال غزة لا ينبغي أن تُختصر في اللون الرمادي الذي فرضته الحرب والدمار.
وأوضحت عبد الهادي للأناضول أن الأطفال اختاروا بأنفسهم موضوعات أعمالهم الفنية، وعبّروا من خلالها عن تجاربهم ومشاعرهم ورسائلهم المتعلقة بالأمل والجمال والحياة.
وأكدت أن من حق أطفال غزة العيش في أمان واستقرار، داخل بيئة جميلة وهادئة، بعيدًا عن الحرب والدمار.
** فرح رغم المعاناة
وتخلل افتتاح المعرض عروض للدبكة الفلسطينية وأغانٍ جماعية وفقرات فنية وثقافية، أتاحت للأطفال المشاركة في أنشطة بعيدة عن مشاهد الحرب التي طبعت حياتهم.
وشكلت الفعاليات مساحة للفرح والتعبير، في وقت لا تزال فيه تداعيات حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية تلقي بظلالها على تفاصيل الحياة اليومية في قطاع غزة.
ومنذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أسفرت حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية عن مقتل أكثر من 74 ألف فلسطيني وإصابة ما يزيد على 175 ألفًا، فضلًا عن دمار واسع طال نحو 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية في القطاع.
ورغم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، تواصل إسرائيل شن هجمات بالقصف وإطلاق النار في قطاع غزة، ما أسفر عن سقوط مئات القتلى والجرحى، بينهم صحفيون.