غزة/ رمزي محمود/ الأناضول
في إحدى أكبر الجنازات التي شهدتها فلسطين، شيع آلاف المواطنين في قطاع غزة، الثلاثاء، جثامين ورفات 112 شخصا قتلتهم إسرائيل بقصف منازلهم على رؤوسهم في حي الصبرة جنوبي مدينة غزة خلال حرب الإبادة الجماعية، وتم انتشالهم مؤخرا.
وشارك في هذه المراسم التي بدأت من حي الصبرة، آلاف الفلسطينيين، حيث وضعت الجثامين والرفات، التي وُشحت بأعلام فلسطين، في موقع قريب من أنقاض المنازل المدمرة.
وأدى المشاركون صلاة الجنازة على الجثامين، ورفعوا الأعلام الفلسطينية ولافتات تطالب بإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني في القطاع، مؤكدين أن حرب الإبادة لم تنتهِ رغم اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025.
وعقب الصلاة، وُوريت الجثامين والرفات الثرى في مقبرة "المعمداني" بحي الزيتون جنوبي مدينة غزة، بحضور شخصيات سياسية ومجتمعية وعشائرية.
ووفق رصد الأناضول، تعد هذه الجنازة إحدى أكبر الجنازات في تاريخ فلسطين من حيث عدد الجثامين والرفات المُشيعة.
وتعود الجثامين والرفات إلى أفراد من عائلتي الحساينة وأبو شريعة، قتلهم الجيش الإسرائيلي في مجزرة ارتكبها في 23 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2023، بقصف مربع سكني يضم منازلهم على رؤوسهم، قبل دخول الهدنة الأولى حيز التنفيذ يوم 24 من ذات الشهر.
**112 رفاتا وجثمانا
أنهت طواقم الدفاع المدني، انتشال هذه الجثامين، السبت، بعد 136 ساعة من العمل "الشاق" في رفع الركام والبحث، امتدت على نحو أسبوعين، وسط إمكانات محدودة، وفق بيان للجهاز في حينه.
وقال الدفاع المدني، في بيانه، إن طواقمه تمكنت من انتشال "جثامين ورفات 112 شهيدا، بينهم 40 طفلا و38 سيدة و7 من ذوي الاحتياجات الخاصة"، من المربع السكني ذاته.
ونقل البيان عن المشرف العام على تنفيذ المشروع، محمد أبو دان، قوله إن "الطواقم لم تتمكن من العثور على 157 جثمانا فُقد تحت الأنقاض ولم تجد لها أثرا".
ويأتي ذلك ضمن المرحلة الثانية من مشروع انتشال جثامين الفلسطينيين، والتي أطلقها الدفاع المدني في 19 يوليو/ تموز الماضي.
وقال المتحدث باسم الجهاز محمود بصل، خلال مؤتمر عُقد بمدينة غزة في حينه، إن هذه المرحلة ستنفذ على "مدار 800 ساعة عمل، وتشمل البحث عن جثامين مفقودين تحت أنقاض 147 منزلا مدمرا في محافظات غزة والشمال والوسطى، يُعتقد أن تحتها 1072 جثمانا".
وفي نوفمبر 2025، انطلقت المرحلة الأولى من المشروع بواقع 500 ساعة عمل، حيث تم خلالها انتشال 333 جثمانا ورفاتا من أصل 559 جثمانا مفقودا تحت أنقاض 54 منزلا ومبنى، فيما حال ضعف الإمكانات دون الوصول إلى نحو 226 جثمانا ما زالت تحت الركام.
** جراح المجزرة تتجدد
وفي السياق، قال تيسير الحساينة، أحد أقارب الضحايا، إن مشاعر العائلات تختلط بين الحزن على فقدان ذويهم والارتياح لدفنهم وإكرامهم، بعد بقاء الجثامين والرفات أكثر من عامين تحت الأنقاض.
وأضاف الحساينة، في حديث للأناضول، أن انتشال الجثامين "أعاد فتح جراح المجزرة التي وقعت أواخر عام 2023"، مشيرا إلى أن معظم الضحايا كانوا من الأطفال والنساء وكبار السن وذوي الإعاقة، وقتلوا داخل منازلهم.
وتابع: "هذا يوم كُشفت فيه الجراح بعد نحو ثلاث سنوات من المجزرة التي كانت على مسمع ومرأى العالم أجمع، الذي يدعي الإنسانية وحقوق الإنسان".
وأشار إلى أن عائلات الضحايا كانت تأمل أن توفر لهم منازلهم الحماية في حينه، إلا أنها تحولت إلى مقابر جماعية، مضيفاً أن "ذنبهم الوحيد أنهم بقوا ثابتين وصامدين في بيوتهم".
ودعا الحساينة المجتمع الدولي إلى وقف الحرب، وإنهاء "الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون في قطاع غزة، الذين يتطلعون إلى العيش بأمن وكرامة على أرضهم".
** "تجسيد لحجم المأساة"
من جانبه، قال ماهر مزهر، عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، إن المشاركة الواسعة في موكب التشييع، تحمل "رسائل متعددة" إلى المجتمع الدولي.
وأضاف مزهر، في حديث للأناضول خلال مشاركته بالتشييع، أن الجنازة تجسد حجم المأساة التي خلفتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
ولفت إلى أن غالبية الضحايا الذين شُيّعت جثامينهم ورفاتهم الثلاثاء كانوا من الأطفال والنساء وكبار السن.
وتابع: "هذه المجزرة تكشف بوضوح أننا أمام عالم ظالم لا ينحاز إلى الهوية الفلسطينية والسيادة التاريخية، بل ينحاز لعدو ظالم مجرم يمارس كل أشكال القتل والإبادة".
وانتقد مزهر "عجز المجتمع الدولي عن توفير الحماية للفلسطينيين أو محاسبة إسرائيل على الجرائم المرتكبة بحقهم".
وأكد أن الفلسطينيين "سيواصلون التمسك بحقوقهم رغم حجم الخسائر"، مضيفا أن "دماء الشهداء ستظل شاهداً على المجازر المرتكبة بحق المدنيين، وستبقى حاضرة في المحافل القانونية والدولية".
ودعا إلى تحرك عربي وإسلامي ودولي أوسع للضغط من أجل وقف الحرب، و"مواجهة الاحتلال (الإسرائيلي) وسياساته العنصرية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ونصرة الشعب الفلسطيني".
وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2025، قال المكتب الإعلامي الحكومي في بيان إحصائي، إن عدد المفقودين الفلسطينيين منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية في أكتوبر 2023 بلغ نحو 9500، بينهم من لا تزال جثامينهم تحت أنقاض المباني التي دمرتها إسرائيل، وآخرون ما زال مصيرهم مجهولا.
وبموجب المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار الساري في قطاع غزة منذ 10 أكتوبر 2025، كان من المفترض أن تسمح إسرائيل بإدخال المعدات والآليات الثقيلة اللازمة، إلا أنها تنصلت من ذلك، وفق جهات حكومية وفصائل فلسطينية في القطاع.
كما تنصلت إسرائيل من مختلف التزاماتها التي نص عليها الاتفاق، بما فيه وقف العمليات العسكرية من قصف وتوغل، وفتح المعابر وإدخال الكميات المتفق عليها من المساعدات الغذائية والإغاثية والطبية.
وجرى التوصل للاتفاق، بعد عامين من حرب إبادة جماعية شنتها إسرائيل بدعم أمريكي، وخلفت أكثر من 73 ألف قتيل، وما يزيد على 174 ألف جريح، ودمارا هائلا طال 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية، بتكلفة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.