مدرسة "جغال أوغلو".. 176 عاما تروي رحلة تطور التعليم في تركيا (تقرير)
Hamdi Dindirek, Gökçe Karaköse, Hişam Sabanlıoğlu
25 سبتمبر 2026•تحديث: 25 سبتمبر 2026
İSTANBUL
إسطنبول/ حمدي دنديرك، كوكجه قره كوسه/ الأناضول
مدير مدرسة جغال أوغلو الثانوية بإسطنبول كوكهان قره طاش للأناضول:
- المدرسة بدأت كأول مدرسة ثانوية مدنية وتخرج منها آلاف الطلاب
- مبنى المدرسة ورثناه من العثمانيين ونفخر بمواصلة رسالته التعليمية
- الدبلوم الألماني يفتح للطلاب آفاق الدراسة داخل تركيا وخارجها
في قلب مدينة إسطنبول التاريخية، تختصر مدرسة "جغال أوغلو" الثانوية قصة 176 عاما من تطور التعليم في تركيا، فمن مؤسسة بناها العثمانيون لإعداد كوادر الدولة بالمعارف الحديثة إلى ثانوية مرموقة، واصلت المدرسة رسالتها التعليمية عبر العهدين العثماني والجمهوري.
وتعود جذور المدرسة إلى "دار المعارف"، التي افتتحت أبوابها في 21 مارس/ آذار 1850 خلال عهد السلطان عبد المجيد، ضمن إصلاحات التنظيمات العثمانية الرامية إلى تحديث مؤسسات الدولة وإعداد كوادر تمتلك المعارف والمهارات اللازمة للعمل في جهاز إداري متغير.
واعتمدت المؤسسة نموذجا تعليميا حديثا مقارنة بالمناهج التقليدية آنذاك، فأضيفت إلى برامجها مواد مثل الحساب والهندسة والفلسفة وعلم الفلك والجغرافيا، بهدف إعداد طلاب قادرين على مواصلة تعليمهم في مؤسسات التعليم العالي الناشئة.
من دار المعارف إلى جغال أوغلو
افتتحت المدرسة في مبنى شُيد بطراز معماري مستوحى من النموذج الأوروبي، بحضور السلطان عبد المجيد وكبار رجال الدولة، وبدأت نشاطها بنحو 250 إلى 260 طالبا قبل أن يحدد عدد المقبولين لاحقا بـ180 طالبا مع اعتماد نظام امتحان للقبول.
وكان من بين أوائل طلابها أبناء السلطان عبد المجيد، بينهم السلطان مراد الخامس والأميرة فاطمة سلطان، إذ حرص السلطان على أن يتلقوا تعليمهم إلى جانب بقية الطلاب داخل البيئة التعليمية نفسها.
ويقول مدير مدرسة جغال أوغلو الثانوية كوكهان قره طاش، في حديث الأناضول، إن المؤسسة بدأت مسيرتها التعليمية عام 1850 خلال عهد السلطان عبد المجيد باعتبارها أول مدرسة ثانوية مدنية، وإن المبنى الذي شُيد على الطراز المعماري الغربي ظل مستخدما كمؤسسة تعليمية منذ ذلك التاريخ.
وساهمت بزم عالم والدة السلطان عبد المجيد، في تأسيس البنية التعليمية للمدرسة، إذ لم يقتصر دورها على إنشاء المبنى، بل خصصت لها أوقافا لضمان استمرار نشاطها ودعم رواتب المعلمين والموظفين.
كما أمرت بإنشاء مطبعة داخل المدرسة لطباعة الكتب الدراسية، ووقفت لمكتبتها 546 مجلدا من الكتب التي كانت ضمن مجموعتها الشخصية، وتحفظ اليوم في مكتبة بيازيد العامة بإسطنبول.
ومع مرور السنوات، أصبحت دار المعارف إحدى المؤسسات المرتبطة بتطور التعليم الحديث في الدولة العثمانية، إذ احتضن مبناها نشاط المجلس العلمي (مجلس دانش)، كما استُخدم لاحقًا في مراحل تعليمية مختلفة، بينها فصول المدرسة الإعدادية المدنية و"دار الفنون السلطانية".
محطات بين العهدين العثماني والجمهوري
وشهدت المؤسسة تحولا بارزا في مجال تعليم الإناث، إذ بدأت عام 1911 العمل باسم "إعدادية البنات"، ثم حملت لاحقا أسماء مختلفة، منها "الثانوية السلطانية للبنات" و"ثانوية بزم عالم".
ومع تأسيس الجمهورية التركية، واصلت المدرسة نشاطها باسم ثانوية إسطنبول للبنات، قبل أن تدخل مرحلة جديدة خلال ثمانينيات القرن الماضي.
وفي العام الدراسي 1983-1984، أصبحت المدرسة مختلطة وتقدم خدماتها التعليمية باللغة الألمانية، واتخذت اسمها الحالي "ثانوية الأناضول جغال أوغلو"، نسبة إلى المنطقة التاريخية التي يقع فيها مبناها.
ويوضح قره طاش أن المدرسة انتقلت خلال تاريخها من كونها مدرسة للبنات إلى مؤسسة تعليم مختلط، وأن نظامها التعليمي بعد ذلك أصبح يتكون من سنة تحضيرية وأربع سنوات دراسية.
ويضيف أن المدرسة تحمل اسمها الحالي منذ عام 1983، وأنها تواصل استقبال الطلاب والطالبات من مختلف أنحاء تركيا، محافظة على مبناها التاريخي وهويتها التعليمية التي تجمع بين الإرث والتحديث.
حضور أكاديمي وإرث مستمر
ويقول قره طاش إن المدرسة تضم حاليا نحو 740 طالبا وطالبة، يقدم لهم التعليم نحو 60 معلما، مشيرا إلى أن المؤسسة خرجت آلاف الطلاب منذ العهد العثماني وحتى اليوم.
ويشير إلى أن الطلاب يحصلون، ضمن بروتوكول بين تركيا وألمانيا، على دبلوم إضافي معترف به في ألمانيا، ما يتيح لهم مواصلة الدراسة في جامعات ألمانية أو في دول أخرى تستخدم اللغة الألمانية، إلى جانب إمكانية الالتحاق بمؤسسات التعليم العالي داخل تركيا.
ويلفت قره طاش إلى أن خريجي المدرسة يواصلون تعليمهم في جامعات تركية بارزة، بينها جامعة بوغازإيجي (البوسفور)، وجامعة إسطنبول التقنية، وجامعة يلدز التقنية، مؤكدا أن المدرسة تحافظ على حضورها الأكاديمي إلى جانب إرثها التاريخي.
مبنى تاريخي ورسالة تعليمية
ويشير قره طاش إلى أن الدراسة في مبنى تاريخي يتميز بأسقفه المرتفعة وأبوابه الكبيرة تمثل مصدر فخر للطلاب والعاملين في المدرسة.
ويقول: "خدمة هذا المبنى التاريخي والصرح التعليمي الذي وصل إلينا إرثا من العهد العثماني شرف كبير بالنسبة لنا. نحن سعداء جدًا بوجودنا في هذه المدرسة ذات الإمكانيات الجيدة والتاريخ العريق. نحن نفخر بخدمة هذه المدرسة".
وبعد قرابة قرنين على تأسيسها، تواصل مدرسة جغال أوغلو حضورها كمثال على التحولات التي مر بها التعليم في تركيا.
مدرسة "جغال أوغلو".. 176 عاما تروي رحلة تطور التعليم في تركيا