وركز الحوار حول العلاقات التركية المصرية، فضلا عن أهم الملفات التي تعتزم القمة الإسلامية مناقشتها في نسختها الثانية عشر، وتأتي في مقدمتها قضايا العالم الإسلامي الملحة التي تشغل بال زعمائه. وفتاليا نص الحوار:
فخامة الرئيس، هلا أطلعتمونا على طبيعة زيارتكم لجمهورية مصر العربية وما هي أهدافكم من هذه الزيارة وبرنامجها، وطبيعة العلاقات التركية المصرية؟
1 - مصر تلعب دورا رياديا في العالم العربي
- أود بداية أن أهنيء وكالة الأناضول على الجهد الكبير الذي تبذله في عالم صاحبة الجلالة، وانفتاحها على عوالم وأقطار أخرى بلغاتهم التي يفهمونها، ومن ثم كان بثها ونشرها للأخبار بخمس لغات منها اللغة العربية، كما أنني أرى في اختياركم القاهرة كمقر للمكتب الإقليمي للوكالة اختيارا صائبا؛ وذلك لأن العاصمة المصرية القاهرة كما تعلمون، تعد بمثابة قاطرة قيادة العالم العربي، وهي في الوقت ذاته مركز إشعاع ثقافي وحضاري كبير في المنطقة بأسرها. لذلك فإن اختيارها لتكون مقرا للإدارة الإقليمية للوكالة اختيار حكيم، فمن قلب القاهرة ستسمع المنطقة بأسرها صوت تركيا بشكل جلي.
- مصر شريك استراتيجي لنا
إننا نرتبط بمصر بعلاقات تاريخية وثقافية موغلة في القدم، ونحن نرى في هذا البلد شريكا استراتيجيا في له ثقله ووزنه في منطقتي الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط.
وجدير بالذكر أن العلاقات التركية – المصرية الممتازة بطبعها، اكتسبت بعدا جديدا وهاما بعد انتفاضة الشعب المصري وثورته قبل عامين، من أجل الحصول على الحرية والكرامة والديمقراطية. وعلينا حاليا أن ننمي هذه العلاقات ونطورها، من خلال تسخير كافة إمكانياتنا في الفترة الراهنة التي تبشر بنوع من الأمل المتنامي، يوما بعد يوم، وذلك حتى يتسنى لنا الوصول، بتلك العلاقات إلى أفضل مستوياتها. ةفي هذا الإطار كنت حريصا على زيارة مصر بعد شهر ونصف الشهر فقط من اندلاع الثورة فيها، قمت بزيارة مصر ، لأكون بذلك أول رئيس في العالم يزور مصر بعد الثورة.
وشهدت تلك الزيارة عددا من اللقاءات المثمرة مع المسؤولين المصريين، وتجاذبنا أطراف الحديث عما يجب فعله في سبيل الارتقاء بالعلاقات الأخوية بين البلدين. وفضلا عن هذا قمت بجمع الكثيرين ممن يمثلون الأطياف المصرية ورواد الفكر، وغيرهم من ممثلي منظمات المجتمع المدني، والتقيت بهم في مقر إقامة السفير التركي في القاهرة، وذلك لنبرهن للجميع على أننا نولي أهمية كبيرة للنضال المشروع الذي بدأه المصريون على مختلف اتجاهاتهم ومشاربهم السياسية.
- تركيا ستستمر في دعمها لمصر
وإنني على يقين تام بأن تركيا ومصر مؤهلتان للمساهمة بدور فعال ومؤثر في ترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها، ولعل تحقيق وقف إطلاق النار في غزة قبل أشهر، دليل واضح على ذلك.
وإن تركيا تقف بجانب مصر وهي تجتاز هذه المرحلة الحساسة والعصيبة التي تمر بها، وذلك بكل ما تملك من إمكانيات سياسية واقتصادية وتقنية، وهي على أهبة الاستعداد لتلبية أي مطلب مصري في هذه المجالات. ولعل تخصيصنا 2 مليار دولار أمريكي بهدف استخدامها فى تمويل العديد من مشروعات البنية الاساسية فى مصر، حول منها مليار دولار، والمليار الآخر سيستخدم كقروض للصادرات، ما يوضح بشكل جلي موقفنا الثابت في هذا الخصوص. وستظل تركيا إلى جانب مصر دوما بغض النظر عن التطورات السياسية الحاصلة فيها، فهذا الدعم لكل الشعب المصري من أجل المساهمة في الجهود المصرية الهادفة لترسيخ الوحدة الوطنية والديمقراطية والتقدم.
أما العلاقات السياسية بين البلدين فهي في أحسن مستوياتها، وقد وقع مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين، على 39 وثيقة خلال العامين الماضيين، مما يظهر مدى التنامي الكبير في العلاقات البينية. ويمكنني القول إننا عازمون على الارتقاء بعلاقاتنا الاقتصادية والتجارية والثقافية بكل ثبات لتصل هى الأخرى إلى مستويات تعكس عمق العلاقات السياسية.
- هدفنا رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 10 مليارات دولار
إننا في غاية الارتياح والسعادة لوصول حجم التعاون التجاري بين البلدين 5 مليارات دولار أميركي في العام 2012 ، لكن هذا المستوى لا يرضي طموحنا بشكل كامل، وذلك لأننا نود رفع حجم التبادل التجاري الى 10 مليارات دولار أمريكي، في أقرب وقت ممكن. وكما تعلمون فان المستثمرين الأتراك لم يغادروا مصر في أحلك الظروف التي مرت بها، وهذا ما يبشرنا بتنامي العلاقات بشكل مضطرد. كما أننا نرحب بالمستثمرين المصريين للعمل في تركيا وستكون أبوابنا مفتوحة لهم بكل ترحاب.
والعلاقات الوثيقة شديدة الترابط بين قادة البلدين، نشاهدها كذلك بنفس الترابط بين شعبينا الشقيقين، وتلعب الصحافة والسياحة دورا بالغ الأهمية في تعضيد أواصر تلك العلاقات لتصل إلى درجة الحميمية. والسياح الأتراك لم يغفلوا في أي وقت من الأوقات، حتى في أصعب الظروف، أهمية مصر السياحية والثقافية. وقد اتخذت الخطوط الجوية في البلدين بعض الخطوات التي من شأنها إتاحة الفرصة ليتعرف كل منهما على الآخر، ومن تلك الخطوات بدء الخطوط الجوية التركية تنظيم رحلاتها إلى كل من شرم الشيخ والغردقة عام 2012، فضلا عن تنويع كل من الخطوط الجوية التركية والمصرية رحلاتهما لمدن مختلفة في البلدين، بما ينعكس بالإيجاب على الشعبين.
2- كيف تقيمون الاحداث التي وقعت مؤخرا في مصر، والمطالب التي تقف وراء تلك الأحداث؟
- نثمن التحول الديمقراطي في مصر ونقيمه بشكل إيجابي
- إننا نثمن الجهود المصرية المبذولة في مرحلة التحول الديمقراطي، ونقيمها بشكل إيجابي، فمجئ رئيس منتخب للبلاد لأول مرة، وإقرار الدستور عن طريق الاقتراع، وإجراء الانتخابات النيابية في العام الماضي بشكل ديمقراطي، كلها أمور جوهرية، تؤكد أن البلاد تسير بخطى ثابتة في مسار التحول الديمقراطي، الذي يكون طويلا بعض الشيء، مما يقتضي نوعا من الصبر والتضحية. ولعل التاريخ مليء بالأمثلة الخاصة بتضحيات جسيمة بذلها كثيرون، ليبقى المسار الديمقراطي في أفضل حالاته. وعلى السلطة الحاكمة، والمعارضة في مصر أن يكونوا على دراية بهذا الأمر، وأن تتضافر جهودهم لمواصلة المشوار في ذلك المسار.
- مصر سترسخ تجربتها الديمقراطية
الديمقراطية كما يعلم الجميع، عبارة عن ثقافة توافق تتمثل في تنظيم الأغلبية لمسار الحكم والإدارة، وتحافظ في نفس الوقت على حقوق الأقلية، وتصغي لهواجسها ومخاوفها. ومن هذا المنطلق فإنه يتعين على كل من الفئة الحاكمة والمعارضة في أي مكان التمسك بالمفاهيم الديمقراطية، وأن تتحرك وفق مباديء سيادة القانون، وهذا ما نأمل أن يتم في مصر بشكل أفضل. وسترسخ مصر تجربتها الديمقراطية، وسيصل الشعب المصري وساسته إلى الطرق الديمقراطية المثلى. إننا نأمل أن يتواصل المسار الديمقراطي في مصر بدون انقطاع وأن ينجح في ترسيخ أسس التحول، وستحترم تركيا دوما خيار الشعب المصري بإرادته الحرة. ولقد كان من دواعي الأسف ما شهدته الفترة الماضية من أحداث عنف، سقط فيها العديد من الضحايا، وإننا نبتهل إلى الله عز وجل أن يشملهم برحمته، كما نتمنى الشفاء العاجل للجرحى والمصابين وأتقدم للشعب المصري بخالص العزاء.
- نبغي دعم التحول الديمقراطي بنهضة اقتصادية
لاشك أن النهضة الاقتصادية من مقومات الديمقراطية الراسخة، وقد سبق وأن قلت مرارا بأن التحول التاريخي الديمقراطي في مصر يجب أن تصاحبه نهضة اقتصادية متكاملة. ووجهت قبل ذلك نداءت إلى أصدقائي المصريين والى المنظمات المالية الدولية والدول المتقدمة للمساهمة في هذا التطور. وقد قامت تركيا بالمساهمة في هذا الأمر بملياري دولار، تحدثت عنهما آنفا. كما أن هناك نقطة مهمة يجب أن نركز عليها في مجال الاستثمار المشترك، وهى أن هناك أكثر من خمسين ألف مصري يعملون في المنشآت والمصانع التي أقامها المستثمرون الأتراك في مصر.
وإنني أكاد أجزم أن الشعب المصري سيتجاوز هذه المرحلة والمحنة، وسيخرج منها أكثر قوة، لكني أدعوهم للتحلي بالصبر وتغليب المنطق السليم ومصلحة البلاد، لعدم تفويت هذه الفرصة التاريخية، وأؤكد لهم أن تركيا ستكون دوما إلى جانبهم لما فيه خير هذا البلد الشقيق.
رسمنا مع الإدارة المصرية ملامح المرحلة القادمة سويا
كان أول لقاء جمعني بالرئيس المصري محمد مرسي، في مكة المكرمة في شهر آب (أغسطس) من العام الماضي، وبعدها بشهر واحد قام مرسي بزيارة تركيا للمرة الأولى، وقد تناولنا خلال تلك الزيارة العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية والدولية التي تهم الطرفين كما قمنا بتثبيت خططنا المستقبلية بكل وضوح.
وأعتقد جازما أن رئاسة مصر للدورة الجديدة لمنظمة التعاون الإسلامي سيكون لها الأثر في ترسيخ دورها الريادي في المنطقة وفي العالم الإسلامي، وأرى أن اجتماع القمة تحت شعار: العالم الإسلامي، اختبارات جديدة وفرص متنامية، سيكون له أهمية كبيرة.
- القمة وسيلة لتعزيز دور منظمة التعاون الاسلامي
إن تركيا على قناعة تامة بأن منظمة التعاون الإسلامي لها الدور الريادي والمركزي للقضاء على المفاهيم الخاطئة عالميا ومحليا، ونشر رسالة المودة والإخاء، التي يبشر بها الإسلام، بشكل مؤثر وفعال، وعليها تنمية دورها الهادف بشكل مستمر. ومنظمة التعاون الإسلامي، التي ستضطلع مصر برئاستها في القاهرة، مطالبة بتعريف مهامها المستقبلية، وسيكون لها دور كبير في تخطيط الاستراتيجيات الدولية المثلى بمبادرات واضحة.
وكما تعلمون، فإن تركيا تستضيف لجنة التعاون الاقتصادي والتجاري، التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي، وأتولى بصفتي رئيسا للجمهورية التركية رئاسة هذه اللجنة. وقد قام مكتب لجنة التعاون الاقتصادي والتجاري، في وزارة التخطيط، وبإشرافي، بإعداد وثيقة الرؤية الإستراتيجية لهذه اللجنة، لإدخال إصلاحات جوهرية في عملها وقد قدمت هذه الوثيقة إلى الدول الأعضاء في القمة الاستثنائية، التي عقدت فيآب(أغسطس) الماضي في مكة المكرمة.
- القمة تتناول قضايا العالم الاسلامي الملحة
كما يتناول اجتماع القمة المشاكل التي تعاني منها سوريا وفلسطين وميانمار ومالي وبقية المناطق، وتعقد جلسة خاصة لمناقشة التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، وستكون الفرصة سانحة خلال القمة لعقد لقاءات ثنائية مع الكثيرين من قادة الدول الإسلامية.
إن تركيا مرشحة لاستضافة القمة الثالثة عشر لمنظمة التعاون الإسلامي ونتوقع الموافقة على هذا الترشيح في قمة القاهرة.
إنني على ثقة تامة بأن هذه الزيارة ستكون مثمرة وفاعلة كسابقاتها وتسهم في ترسيخ العلاقات بين بلدينا.
وختاما أقول إن مصر هي في طليعة الدول التي تخدم السلام والاستقرار والأمن في المنطقة برمتها، كما أنها تلعب دورا هاما في السلام العالمي، ولها دورها الرائد في العالم العربي. ولا شك أن أخي العزيز الرئيس مرسي يضطلع بدور هام في هذه الحقبة من التحولات التاريخية التي تشهدها المنطقة.
news_share_descriptionsubscription_contact
