خالد موسي العمراني
القاهرة – الأناضول
توقع تقرير الأونكتاد السنوي عن المساعدة المقدمة إلى الشعب الفلسطيني اليوم الثلاثاء تراجع التنمية الاقتصادية في الأرض الفلسطينية المحتلة على المدى الطويل.
والأونكتاد هي منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية وهي تصدر تقرير بالمساعدات المقدمة للشعب الفلسطيني سنويا.
وكان التقرير الدكتور محمود الخفيف،مدير وحدة مساعدة الشعب الفلسطيني بالأونكتاد قد أستعرض التقرير في مؤتمر صحفي عقد بمركز الامم المتحدة للإعلام بالقاهرة اليوم.
وقال الخفيف "أن ما تحقق من نمو اقتصادي في الأرض الفلسطينية المحتلة في عام 2011 بنسبة 9.9 % لا ينبغي أن يساء تفسيره".
أضاف " أن النمو الذي حدث في قطاع غزة المحاصر نتج عن أنشطة إعادة الإعمار عقب الدمار الذي تسببت به العملية العسكرية الإسرائيلية في الفترة من ديسمبر 2008 إلى يناير 2009".
اوضح الخفيف "ان الاقتصاد المحلي في غزة حقق نموا بنسبة 23 % في عام 2011، في حين بلغت نسبة النمو في الاقتصاد المحلي بالضفة الغربية نسبة 5.2% ورغم ذلك لا يزال نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في غزة أقل بنسبة 10 في المائة عن مستواه في عام 2005".
وردا علي سؤال لمراسل وكالة "الأناضول" للإنباء عن جحم الاموال التي منحتها الجهات المانحة للشعب الفلسطيني عام 2011 قال الخفيف:" لا يوجد رصدا دقيقا لحجم هذه الاموال لان هناك جهات تقدم اموال للسلطة الفلسطينية مباشرة لدعم الموازنة مثلا وهناك جهات مانحة تقدم مساعدات مباشرة على الارض".
أضاف " لكني اقدر حجم هذه الاموال بما يتراوح بين مليار و1.5 مليار دولار عام 2011 بانخفاض كبير عن الاموال المقدمة عام 2009 التي تجاوزت ال 2 مليار دولار".
وعن ترتيب الجهات المانحة للشعب الفلسطيني قال الخفيف " يأتي علي رأس الجهات المانحة للشعب الفلسطيني الجهات التقليدية لتقديم المساعدات مثل الاتحاد الأوروبي ودول أمريكا الشمالية واليابان الى جانب منح صينية تتم بشكل ضعيف".
ووصف الخفيف مساعدات الدول العربية بقوله " أن مساعدات الدول العربية ثانوية وتتم بشكل ثنائي بدون تسويق اعلامي".
واكد تقرير الأونكتاد أن النمو داخل الأراضي الفلسطينية الذي تحقق في عام 2011 وفي مستهل عام 2012 ليس مستداماً. فهو يعكس تدهور مستوى أداء الاقتصاد في نهاية عام 2010 عقب الأضرار الناجمة عن الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة وأيضاً الأضرار الاقتصادية الناجمة عن عمليات الإغلاق التي تمارسها إسرائيل في الضفة الغربية.
ويرى التقرير أن نسبة كبيرة من النمو تعتمد على المعونة. ويشير إلى أن التوسع الاقتصادي الذي شهده العام الماضي اقترن بتراجع الأجور الحقيقية وإنتاجية اليد العاملة ولم يؤد إلى خفض معدلات البطالة المرتفعة التي ظلت عند مستوى 26 في المائة. وأكد التقرير استمرار الفقر الشديد، وانعدام الأمن الغذائي المزمن الذي يعاني منه اثنين من كل ثلاثة فلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة، وهو أشد من ذلك في غزة. ويبلغ معدل الفقر مستوى مهولاً أيضاً في القدس الشرقية، حيث يُقدّر بنسبة 78 في المائة، أي أعلى من معدلاته في الضفة الغربية وغزة.
ويقول التقرير إن غزة لا تزال خاضعة للحصار الاقتصادي، و أن عدد الحواجز المفروضة على تنقل الفلسطينيين والسلع الفلسطينية في الضفة الغربية زاد من 500 حاجز في عام 2010 إلى 523 حاجزاً في عام 2011.
وأضاف ان عمليات هدم المنازل والبني التحتية الفلسطينية زادت في عام 2011، وأدى توسيع المستوطنات الإسرائيلية في المناطق المحيطة بالقدس الشرقية وبيت لحم، إلى تفتيت الأرض الفلسطينية إلى "البانتوستانات" أو جيوب مقطعة الأوصال ومنفصلة عن بعضها البعض.
وشكلت المعونة، في السنوات الأخيرة، عاملاً أساسياً لاستدامة الاقتصاد الفلسطيني والحيلولة دون وقوع أزمات اجتماعية اقتصادية أعمق.
ويذهب التقرير إلى أن ما لوحظ في عام 2011 ومستهل عام 2012 من تراجع في الدعم المقدم من الجهات المانحة ستكون له تداعيات اجتماعية اقتصادية خطيرة. غير أنه يضيف أن الحساسية الاقتصادية لتقلب مستويات المعونة هي مجرد عارض من عوارض مشكلة التنمية الفلسطينية وليست سببا فيها.
أما السبب الحقيقي بحسب التقرير فهو يرتبط ارتباطاً مباشراً بالاحتلال، أكثر من ارتباطه بالسياسات الاقتصادية للسلطة الفلسطينية. فقد قضى الاحتلال على جميع فرص التسويق والاستثمار المحلية والخارجية تقريباً، وأدى إلى تآكل الأراضي والموارد الطبيعية المتاحة للفلسطينيين لمزاولة أنشطة منتجة اقتصادياً.
وتقتصر الاستثمارات العامة والخاصة بالاراضى الفلسطينية المحتلة على 63 في المائة من أراضي الضفة الغربية المعروفة باسم المنطقة "ج"، الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، بينما لا يزال الحصار الاقتصادي مفروضاً على غزة. وفي ظل هذه الظروف، من الصعب بناء الدولة، وفقاً للتقرير.
وينبغي أن تركز جميع الجهود على منع المزيد من التعدي على القاعدة الإنتاجية الفلسطينية من خلال المستوطنات والاحتلال، حسبما يذهب إليه التقرير.
وبالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدي عكس مسار الوضع القائم إلى تمهيد السبيل نحو بناء دولة فلسطينية لديها مقومات البقاء، على النحو المتوخى في قرارات الأمم المتحدة.
يشير التقرير إلى استمرار عجز الميزانية الفلسطينية رغم تواصل جهود السلطة الفلسطينية من أجل خفض الإنفاق وتعزيز الإيرادات الضريبية.
ويذهب التقرير إلى أن استمرار الضعف المالي للسلطة الفلسطينية ناجم أساساً عن عدم التمتع بالسيادة، وتسرب الإيرادات إلى إسرائيل، وفقدان نواتج وإيرادات ممكنة من جراء التدابير التي يفرضها الاحتلال.
وتفاقمت آثار ضعف الإيرادات من جراء تراجع دعم الجهات المانحة الذي يقل بمبلغ 520 مليون دولار عن احتياجات التمويل اللازمة للسلطة الفلسطينية في عام 2011. ونتيجة لذلك، راكمت السلطة ديوناً ومتأخرات مستحقة للقطاع الخاص. وارتفعت قيمة المتأخرات بمبلغ 540 مليون دولار، وبلغت الديون المستحقة للمصارف المحلية في فلسطين1.1 مليار دولار - أي 50 في المائة من الإيرادات العامة.
ويذهب التقرير إلى أن التقشف المالي، الذي تنادي به بعض الوكالات الدولية، لا يتجاهل أسباب الأزمة وواقع الاحتلال فحسب، بل قد يأتي ايضاً بنتائج عكسية، لأن المضي في زيادة خفض الإنفاق يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي إضافي، فتنكمش القاعدة الضريبية وتتضخم فواتير إنفاق السلطة الفلسطينية في الميدان الاجتماعي.
وينبه التقرير إلى أن زيادة الضغط على العمالة والأجور في القطاع العام تهدد بمزيد من الكساد في الاقتصاد الفلسطينى، وتقوض التماسك الاجتماعي، وتشكل خطرا على أي تقدم أُحرز في سبيل إرساء الدعائم المؤسسية لدولة فلسطينية لديها مقومات البقاء.
وما زالت تبعية الاقتصاد الفلسطيني لإسرائيل كبيرة. فقد بلغت التجارة مع إسرائيل أو عبرها حوالي 83 في المائة من مجموع التجارة الفلسطينية في عام 2011، في الوقت الذي شكل فيه العجز التجاري الفلسطيني مع إسرائيل 84 في المائة من العجز الإجمالي في عام 2011.
وتحرم هذه التبعية الاقتصادية القسرية الفلسطينيين من مصادر الواردات الأكثر قدرة على المنافسة ومن أسواق التصدير. وتزيد أيضاً من قابلية تأثر الأرض الفلسطينية المحتلة بالتدابير الأمنية والشروط الاقتصادية الإسرائيلية.
وطبقا للتقرير فقد أصبحت الزراعة الفلسطينية عاجزة عن تحقيق إمكاناتها على صعيدي الإنتاج والعمالة بسبب سنوات الاحتلال. فقد تقلصت مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني من 12 في المائة في عام 1995 إلى 5.5 في المائة في عام 2011، حسبما يشير إليه التقرير.
ولا يُسقى فعلياً سوى 35 في المائة من الأراضي المعتمدة على الري في الأرض الفلسطينية المحتلة، الأمر الذي يكلف الاقتصاد 110000 فرصة عمل سنوياً و10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وعلاوة على ذلك، أدى بناء جدار الفصل الإسرائيلي إلى محاصرة 10 في المائة من أراضي الضفة الغربية في "منطقة التماس" بين جدار الفصل وحدود عام 1967. ونتيجة لذلك، أصبح من العسير على آلاف المزارعين الفلسطينيين الوصول إلى أراضيهم وزراعتها في تلك المنطقة بسبب صعوبة الحصول على ما يلزمهم وعمالهم من تصاريح إسرائيلية للعبور من بوابات الجدار.
ويفيد التقرير بأن الإنتاجية الزراعية تراجعت بنسبة 33 في المائة نتيجة للحظر الإسرائيلي على الأسمدة المستوردة العالية الجودة. ومن ثم أصبحت الأنشطة الزراعية أقل قدرة على الاستمرار، وفقد العديد من المزارعين الفلسطينيين مصدر رزقهم. وبالإضافة إلى ذلك، اقتُلع حوالي 2.5 مليون شجرة مثمرة منذ عام 1967.
ويشير التقرير إلى أن صناعة الصيد الفلسطينية تكاد تكون قد انهارت بالكامل، بسبب تقييد الصيد قبالة سواحل غزة في حدود 3 أميال بحرية بدلاً من مسافة العشرين ميلاً المعترف بها دولياً. وانخفض عدد الصيادين بنسبة 66 في المائة منذ عام 2000.
وتنتج الصعوبات الأخرى عن إفراط إسرائيل في استخراج المياه بما يتجاوز الحصة المحددة في اتفاقات أوسلو لعام 1993. والمياه المستخرجة تُستخدم داخل الحدود والمستوطنات الإسرائيلية، ويُحرم كل من السلطة الفلسطينية والمزارعين الفلسطينيين من الحق في حفر الآبار لتلبية طلب السكان الفلسطينيين المتزايد على المياه.
ويخلص التقرير إلى أن هذا الإفراط الإسرائيلي في استخراج المياه يحدث حتى عندما يكون مصدرها بأكمله تقريباً داخل الأرض الفلسطينية المحتلة.
ويؤكد التقرير أن قطاع الزراعة الفلسطيني قادر على المقاومة وتحقيق انتعاش سريع ومستدام رغم أنه يعمل بربع إمكاناته. ولكن الدراسة تفيد بأن الجهات المانحة والسلطة الفلسطينية قد أهملتا القطاع الزراعي.
ويوصي التقرير باتخاذ تدابير تصحيحية للتعويض عن تأثير الاحتلال. وينبغي إنشاء مصرف للتنمية الزراعية لتقاسم المخاطر وتقديم القروض وخدمات التأمين ودعم التسويق وخدمات ما بعد الحصاد، فضلاً عن تمويل وضمان الاستثمار في الهياكل الأساسية الخاصة بالزراعة والمياه.
وبدأ الأونكتاد، في عام 2011، تنفيذ مشروع، للتعاون التقني مدته ثلاث سنوات لبناء القاعدة المعرفية للشاحنين الفلسطينيين (المصدّرين والمستوردين)، وتعزيز القدرة المؤسسية لمجلس الشاحنين الفلسطيني، وزيادة الوعي بأفضل الممارسات المعترف بها دولياً في مجال تيسير التجارة. وعمل الأونكتاد أيضاً على تعزيز النماذج الاقتصادية والقدرة على التنبؤ لدى واضعي السياسات الفلسطينيين.
وأدى الأونكتاد، منذ عام 2001، دوراً محورياً في بناء الجمارك الفلسطينية وعصريتها من خلال العمل بنظامه الآلي لتجهيز البيانات الجمركية وتحديثه، وتوفير تدريب مكثف لموظفي السلطة الفلسطينية ووكلاء القطاع الخاص على تشغيل النظام. وبناءً على هذه الإنجازات.
ووضع الأونكتاد مشروعاً جديداً لتعزيز ما سبق تحقيقه في هذا الميدان وتسليم النظام الآلي لتجهيز البيانات الجمركية إلى السلطة الفلسطينية. ويُتوقع أن يبدأ هذا المشروع في وقت لاحق من عام 2012.
خمع –مصع
news_share_descriptionsubscription_contact
