عادل الثابتي
تونس - الأناضول
أحدثت الدعوة إلى الإضراب العام من جانب الاتحاد التونسي للشغل الشهر الجاري زلزالاً في البلاد لما كان سيمثله تنفيذ الإضراب يوم الخميس 13 ديسمبر/ كانون الأول من مخاطر على الأمن، وما كان سيتبعه من عواقب تفوق التصورات.
وبعد التخلي عن هذا الإضراب العام إثر اتفاق بين الحكومة والاتحاد التونسي للشغل، أكبر منظمة نقابية في البلاد، والتي أسسها الزعيم العمالي الراحل فرحات حشاد سنة 1946 بالتعاون مع الشيخ الزيتوني محمد الفاضل بن عاشور تُطرح اليوم أسئلة عميقة حول خلفيات ودوافع خوض هذا الشكل النضالي العمالي الأخطر والأقسى في أساليب عمل النقابات.
ولعل أهم هذه الأسئلة: هل كانت هناك أسباب وجيهة مثل رفض الحكومة التفاوض على المطالب العمالية أو عرقلة العمل النقابي أم كانت هناك أسباب أخرى وراء هذه الدعوة؟
بعد صراعات سبعينيات العقد الماضي مع نظام الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة التي أفضت إلى الإضراب يوم 26 يناير/ كانون الثاني 1978 أو ما سمي آنذاك بـ"الخميس الأسود" في تونس الذي سقط فيه مئات القتلى وانتهى بسجن الزعيم العمالي الحبيب عاشور ونقابيين آخرين، شهدت الثمانينيات صراعا داخل النقابة بين خط عاشور وكتلة النقابيين اليساريين المتمركز أساسا في قطاعي التعليم الثانوي والبريد بالتزامن مع تواصل محاصرة نظام الحكم للمنظمة من خلال الحث على الانشقاق عنها وإضعاف دور عاشور.
ولما وصل زين العابدين بن علي إلى الحكم في 7 نوفمبر/ تشرين الثاني 1987 فرض توازنات جديدة داخل الاتحاد أفضت إلى إقصاء عاشور وإجباره على التقاعد الإجباري من العمل النقابي.
وقام النظام بترتيب أول مؤتمر تعقده المنظمة العمالية العريقة في البلاد بعد وصول بن علي إلى السلطة بما سيشكل نمط قيادة نقابية استمر إلى اليوم.
انعقد المؤتمر خلال شهر مايو/ آيار 1989 بمدينة سوسة الساحلية، أي بعد شهر من انتخابات عامة شهدت صعودا كبيرا للإسلامين في حركة النهضة، وقام النظام بتزوير نتائجها حسب اعترافات أركانه مؤخراً.
وخلال هذا المؤتمر تدخّل وزير الشؤون الاجتماعية وقتها، منصر الرويسي، ذو الجذور اليسارية لفك تحالف بين العاشوريين والإسلاميين كان سيؤدي للمرة الأولى بالإسلاميين إلى الصعود لقيادة المنظمة النقابية؛ مما أفرز قيادة مشتركة بين الدستوريين ومنتسبي تيارات أقصى اليسار التونسي.
وتمّ تصعيد إسماعيل السحباني رئيسا للنقابة الوحيدة آنذاك في تونس ولم يغادر الاتحاد العام التونسي للشغل إلاّ بعد انكشاف فضيحة سرقته لأموال المنظمة سنة 2000 وإدانته من قبل القضاء والحكم عليه بـ11 سنة سجنا.
ومع مطلع تسعينيات القرن الماضي، انتهى فعليا وجود الإسلاميين في الاتحاد بعد أن شملتهم الملاحقات الأمنية بداية من سنة1991 وسجن العديد من رؤساء الاتحادات الجهوية وأغلب القياديين النقابيين المنتسبين لهذا التيار، وشهد الاتحاد بروز فاعل جديد في مستوى قياداته من التيار القومي الناصري المتكوّن أساسا من الشباب الملتحق بالعمل النقابي خلال تلك الفترة من الطلبة الذين كانوا ينشطون خلال الثمانينات ضمن تيار" الطلبة العرب التقدميون الوحدويون".
قيادة أم التحاق؟
قبل أن يقدم محمد البوعزيزي مفجّر الثورة التونسية على حرق نفسه لم تشهد العلاقة بين الاتحاد العام التونسي للشغل ونظام بن علي أي صدام يذكر.
وكان يقع تكريم قيادته من قبل الرئيس السابق بن علي كل سنة بمناسبة عيد الشغل وقد أطلق أكاديمي تونسي على تلك العلاقة صفة "التوافق"، واعتبر أن ذلك ثمن تخلي الاتحاد العام التونسي للشغل عن لعب أي دور سياسي ضروري لمقاومة ديكتاتورية لم تعد تخفى على أحد.
وخلال كامل فترة الثورة لم تشهد علاقة القيادة النقابية أي اهتزاز بل كانت علاقة عبد السلام جراد الذي خلف إسماعيل السحباني في قيادة المنظمة بالرئيس بن علي جيدة جدا، إلا أن جزءً هاما من النقابيين القاعديين في المحافظات ساهم بشكل فاعل في تأطير الاحتجاجات التي اندلعت في المناطق الداخلية يوم 17 ديسمبر/ كانون الأول 2010، واشعلت الثورة، سيما في أعمال تضامنية مع ما كان يحدث من قمع في وسط البلاد بمحافظتي سيدي بوزيد والقصرين.
وكان الاتحاد يحسب خطواته خشية مغامرة غير محمودة العواقب مع نظام قمعي شرس، فلم يكن يدعو إلى أي مواجهة، إنما كان يكتفي بالإضرابات العامة الجهوية الاحتجاجية، بل دعا أكبر اتحاد جهوي وهو اتحاد العاصمة إلى إضراب ساعتين فقط في اليوم الذي توج الثورة بفرار رأس النظام، وهو 14 يناير/ كانون الثاني 2011.
كان نظام بن علي قاسيًا في التعامل مع التنظيمات السياسية فلم يسمح بالعمل إلا لأحزاب مجهرية تدور في فلكه أو أحزاب صغيرة تحت السيطرة بينما كانت التيارات الكبرى مثل حركة النهضة ممنوعة من النشاط السياسي القانوني.
وبعد انهيار نظامه لم تكن هناك من منظمات مهيكلة تحظى بتقدير النخب السياسية سوى الاتحاد العام التونسي للشغل.
وبينما كان النظام القديم يعيد ترتيب أوراقه بعد نجاح الثورة ويحاول الاستمرار من خلال حكومة الوزير الأول لبن علي، محمد الغنوشي، كان الاتحاد العام للشغل يحتضن اجتماعات التنظيمات السياسية المغضوب عليها في العهد السابق لتحديد طرق التعامل مع الوضع الجديد.
وتمكنت التنظيمات اليسارية والقومية المسيطرة على الاتحاد من تمثيل واسع في هيئة حماية الثورة التي ستقود اعتصامي القصبة 1 و 2 اللذان أفضيا إلى سقوط حكومة الغنوشي الثانية خلال شهر مارس 2011 وإلغاء الدستور القديم والدعوة إلى تكوين مجلس تأسيسي جديد.
ومع حكومة السبسي أحد رجالات النظام البورقيبي الذي عمل لفترة مع نظام بن علي تحولت لجنة حماية الثورة إلى هيئة رسمية كُلفت بإعداد مرحلة ما قبل انتخابات المجلس الوطني التأسيسي.
اشتعال الأحقاد القديمة
في الوقت الذي لم تكن نتائج استطلاع الآراء تعطي لحركة النهضة الإسلامية أكثر من 20% من أصوات الناخبين في أول انتخابات عامة تشهدها البلاد بعد الثورة، تحصلت هذه الحركة على 41% من الأصوات رغم القانون الانتخابي المعقد الذي أشرف على صياغته رجل القانون عياض بن عاشور رئيس هيئة حماية الثورة والاصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي رغم حملة إعلامية قوية ضد هذه الحركة من قبل وسائل إعلام موروثة عن عهد بن علي.
لقد كان وقع الصدمة كبيرًا من هذه النتائج على النخب اليسارية التي لم يمسّها ضرر كبير من نظام بن علي.
وكان مشهد صحفية من أقصى اليسار الماركسي وهي تلطم رأسها على السور الحديدي للمركز الاعلامي لهيئة الانتخابات محتجة على تلك النتائج دالَّ من جهة على عمق الجرح الذي أحدثته تلك الانتخابات في نفس نخبة اعتقدت طويلا أن بن علي قد أراحها من عدو أبدي ولكنه كان دالا من جهة أخرى على عمق الضغينة والتفكير في الخلاص من هذا العدو.
وفي الوقت الذي تشكلت فيه حكومة من ائتلاف جمع حركة النهضة الإسلامية بحزبين علمانيين من وسط اليسار، "التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات" بقيادة مصطفى بن جعفر رئيس المجلس الوطني التأسيسي الحالي وحزب "المؤتمر من أجل الجمهورية" حزب الرئيس محمد المنصف المرزوقي، رفضت الأحزاب اليسارية والقومية الدخول في هذا الائتلاف، وقرّرت الصراع إلى النهاية ضد الحكومة الجديدة.
لم يكن الحوار بين الإسلاميين واليساريين يختلف كثيرا عن خطاب الصراع بين الطرفين في رحاب الجامعة خلال أواخر السبعينات وطيلة ثمانينات القرن الماضي، وتبين أن حوالي ربع قرن من ديكتاتورية بن علي لم تكن كافية لجعل الفرقاء يقبلون بالتعايش السلمي.
ولمّا طلب الرئيس محمد المنصف المرزوقي إثر انتخابه من قبل المجلس الوطني التأسيسي في خطاب متلفز يوم 14 من ديسمبر/ كانون الأول 2011 إقرار هدنة سياسية واجتماعية في البلاد كان ردّ الاتحاد العام للشغل بمزيد من الإضرابات والتشجيع على الاعتصامات حتى تلك التي لا تخص منتسبيه مثل اعتصامات جمعيات العاطلين عن العمل.
وقد يكون المرزوقي وحكومة الترويكا لم يقرءا جيدا خطاب اليسار الراديكالي المسيطر على المركزية النقابية الأكبر في البلاد، فبعد يومين فقط من إعلان نتائج الانتخابات صرح أحد محامي الاتحاد العام للشغل وكان من ناشطي أقصى اليسار الماركسي الطلابي في السبعينات أن "من يظن أن الاتحاد العام التونسي للشغل قد حفي (لم يعد يذبح) فهو واهم"، وكان هذا التصريح بالنسبة للمتابعين دال جدا على المواجهة التي ستقاوم من خلالها المعارضة اليسارية والقومية الاوضاع السياسية الجديدة؟
الإضراب العام.. آخر الأسلحة
تم التحرش بالحكام الجدد بسلسلة إضرابات قطاعية لا حصر لها، ثم تمّ اللجوء إلى إضرابات عامة جهوية تحت شعار الحق في التنمية.
وخاض وزير الشؤون الاجتماعية القيادي في حزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات والقيادي النقابي السابق جولات ماراثونية من المفاوضات مع النقابيين دون جدوى.
ولاحظ المتابعون منذ مدة أن كل المظاهرات التي ترفع شعارات لإسقاط الحكومة أصبحت تخرج من مقرات الاتحاد العام للشغل، وكثيرا ما تردد مجموعات من الشباب الطلابي اليساري تخرج من دار الاتحاد بالعاصمة شعار "الشوارع والصدام حتى يسقط النظام"؛ بما يعني موافقة المركزية النقابية على مضامين تلك الشعارات خاصة أن القيادة النقابية تحتوي على قيادات شاركت في الانتخابات الماضية تحت راية حزب العمال أو حركة الوطنيين الديمقراطيين، ولم تحصل على نتائج تذكر خلال انتخابات المجلس الوطني التأسيسي أكتوبر/ تشرين الأول 2011.
وتذكر مصادر نقابية قاعدية مطلّعة أن رئيس الاتحاد، حسين العباسي، خاضع لتأثير الجناح الماركسي المتشدّد في الاتحاد مما يُفسّر دعمه لكل التحركات النقابية ذات الطابع السياسي وآخرها الأحداث التي شهدتها محافظة سليانة مما جعله يصرح لإحدى الاذاعات أن الاتحاد يدعو إلى التظاهر انطلاقا من مقراته ثم لا يهمه ما يحدث مما جعل البعض يفهم ذلك بأنه دعوة إلى العصيان.
ولاحظ المتابعون عشية الدعوة إلى الإضراب العام تقاربا بين حزب "نداء تونس" الذي يوصف بأنه تجمع منتسبي حزب "التجمع" الحاكم المنحل وبعض منتسبي اليسار ربما لمواجهة عدو مشترك .
ودعّم هذه الشكوك أن أول اتحاد أعلن الإضراب العام الجهوي إثر أحداث 4 ديسمبر/كانون الأول الجاري هو الاتحاد الجهوي بمحافظة سيدي بوزيد الذي يقوده عضو سابق في اللجنة المركزية لحزب التجمع.
وأمام السلوك النقابي للاتحاد أحس مناصرو الحكومة أن دورا ما يلعبه الاتحاد العام للشغل في البلاد يتجاوز المطالب النقابية، ويدخل في مسار تحرش سياسي واقتصادي بالنظام القائم وفي سياق مضاد للثورة.
وقد تكون صدرت عن هؤلاء بعض ردود الفعل كان آخرها تنظيم تظاهرة احتجاجية أمام المقر المركزي للاتحاد يوم 4 ديسمبر/كانون الأول 2011 يقودها نقابيون قاعديون قريبون من الحكومة تطالب بتحرير الاتحاد من سيطرة أحزاب اليسار الماركسي الراديكالي المنضوية تحت لواء الجبهة الشعبية وواجهتها عناصر من الاتحاد بالعنف حسب الصور المتوفرة حتى الآن عن تلك الأحداث.
وأمام هذه التطورات قد تكون عناصر قيادية نقابية يسارية دفعت إلى إعلان الإضراب العام ربما لإسقاط الحكومة.
لكن قيادة الاتحاد تراجعت في آخر لحظة عن إضراب لا يحظى بدعم شعبي واضح تجلى من خلال فشل الإضرابات الجهوية التي سبقته في المحافظات وخاصة من خلال مسيرة شارك فيها عشرات الآلاف في ثاني أكبر مدينة تونسية وأنشطها اقتصاديا، وهي مدينة صفاقس جنوب البلاد، نهاية الأسبوع الماضي، ترفض الإضراب.
فالتونسيون لم يفهموا كيف لنقابة وقّعت اتفاقيات الزيادة في الأجور مع الحكومة في الصباح أن تدعوَ للإضراب عام في المساء.
ولا شك أن فشل الدعوة إلى الإضراب العام ستؤثر على المنظمة النقابية التي تحظى بإجماع غالبية التونسيين على تقدير تاريخها المشرف، وهي التي قدمت مؤسسها الأول فرحات حشاد شهيدا في معركة التحرر من الاستعمار الفرنسي، ربما في اتجاه مزيد من التوازن والخروج من الاستغلال المجحف لها من قبل التيارات المسيطرة عليها في معارك حزبية لا تهمّ أغلب العمال.
هل يكون هذا آخر درس لليسار الماركسي المتمترس بالاتحاد العام للشغل لفهم انفصام الواقع التونسي عن نصوص المؤسسين الأول للتيار الذي ينتمون له، وأن التاريخ يتطور، أم سيواصلون المغامرة في نفس النهج مما سيكلف المنظمة النقابية العريقة خسارة مصداقيتها لدى التونسيين الذين سئموا تعطيل الدورة الاقتصادية بإضرابات لا حد لها؟
news_share_descriptionsubscription_contact
